
بقلم راشد شاتيلا.
يمرّ لبنان بظروف دقيقة تفرض على أبنائه إدراك حقيقة أساسية: مهما تعددت التحديات واختلفت المواقف، يبقى الوطن المساحة المشتركة التي تجمع الجميع، ولا يمكن لأي مكوّن أن يصنع مستقبله بمعزل عن الآخرين. ففي الأوقات التي تشتد فيها الأزمات، لا تكون الوحدة الوطنية مجرد شعار يُرفع في المناسبات، بل مسؤولية وطنية تتطلب وعياً في المواقف، وحكمة في التصرف، وحرصاً على حماية المجتمع من كل ما قد يهدد استقراره. إن قوة لبنان لا تكمن في تشابه أبنائه، بل في قدرتهم على العيش مع اختلافاتهم ضمن وطن واحد، تحكمه المواطنة وتصون كرامة جميع أبنائه.
إن الحفاظ على السلم الأهلي ليس مسؤولية المؤسسات الرسمية وحدها، بل واجب يقع على عاتق كل مواطن، وكل شخصية عامة، وكل مؤسسة إعلامية واجتماعية وتربوية. فالكلمات قد تهدئ النفوس وتفتح أبواب التفاهم، كما قد تؤدي، عندما تُستخدم بلا مسؤولية، إلى تعميق الخلافات وإثارة التوترات. ومن هنا، تبرز أهمية الابتعاد عن الخطابات التحريضية، وعدم تحويل الاختلاف السياسي إلى خصومة اجتماعية أو مواجهة بين أبناء المجتمع الواحد. فلبنان الذي عانى طويلاً من الانقسامات يدرك قيمة الاستقرار، ويحتاج اليوم إلى خطاب يجمع ولا يفرّق، ويعالج الخلافات بالحكمة بدلاً من تأجيجها.
لا يمكن بناء دولة مستقرة ما دامت العصبيات الطائفية والمناطقية والشخصية تتقدم على مفهوم المواطنة. فالانتماءات الاجتماعية والدينية والثقافية جزء من التنوع اللبناني، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى حواجز تفصل المواطنين أو تنتقص من حقوقهم. إن الانتماء الحقيقي إلى لبنان يظهر في احترام الآخر، وقبول حقه في الاختلاف، والاعتراف بأن كرامة المواطن وحقوقه لا تتغير باختلاف منطقته أو طائفته أو توجهاته. وما يحتاج إليه لبنان هو ثقافة وطنية تجعل الاختلاف مصدر غنى، لا سبباً للعداء، وتعيد الاعتبار إلى المصلحة العامة باعتبارها القاسم المشترك بين الجميع.
لا تستقيم الحياة الوطنية من دون احترام القانون والاحتكام إلى المؤسسات الدستورية والقضائية والإدارية. فالدولة لا تُبنى بالاستثناءات، ولا تستقر عندما يصبح تطبيق القوانين خاضعاً للاعتبارات الشخصية أو الفئوية. والمساواة أمام القانون هي الضمانة الأساسية لحماية الحقوق والحريات وتحقيق العدالة بين المواطنين. لذلك، فإن ترسيخ ثقافة احترام القانون يجب أن يبدأ من الأفراد والمؤسسات، وأن يشمل المسؤولين والمواطنين على حد سواء. فالمطالبة بالحقوق تكون أقوى عندما تستند إلى الأطر القانونية والدستورية، والإصلاح الحقيقي يبدأ عندما تصبح المؤسسات مرجعاً للجميع.
لا يوجد مجتمع يخلو من الاختلاف، ولا دولة تستطيع تحقيق الاستقرار من خلال إسكات الآراء المتباينة. لكن الفارق بين مجتمع قادر على تجاوز أزماته وآخر يغرق في الانقسامات يكمن في الطريقة التي يدير بها خلافاته. فالحوار الهادئ لا يعني التخلي عن القناعات أو التنازل عن الحقوق، بل يعني التعبير عنها بمسؤولية، والاستماع إلى وجهات النظر الأخرى، والبحث عن المساحات المشتركة. ويحتاج لبنان إلى ثقافة حوار تقوم على الحجة والاحترام والابتعاد عن التخوين والتجريح والتصعيد. فالكلمة المسؤولة قد تفتح طريقاً للحل، بينما قد تغلق الكلمة المتسرعة أبواب التفاهم.
إن حماية الوحدة الوطنية ليست مهمة مرتبطة بمرحلة سياسية أو ظرف أمني عابر، بل هي مشروع مستمر يتطلب مشاركة الدولة والمجتمع والأجيال الجديدة. وعلى الشباب اللبناني أن يكونوا جزءاً من بناء ثقافة وطنية جديدة، تتقدم فيها المعرفة والحوار والكفاءة والمواطنة على العصبيات والانقسامات. فالأجيال القادمة تستحق وطناً تُحترم فيه الحقوق، وتُصان فيه الحريات، وتُطبق فيه القوانين بعدالة، ويستطيع فيه كل مواطن أن يطمح إلى مستقبل أفضل دون خوف أو تمييز.
إن لبنان لا يحتاج إلى أن يتفق أبناؤه على كل شيء، بل إلى أن يتفقوا على حماية وطنهم، واحترام مؤسساته، وصون السلم الأهلي، والاحتكام إلى الحوار والقانون مهما اتسعت الاختلافات.
فالوطن لا يحميه انتصار فريق على آخر، بل تحميه إرادة أبنائه في البقاء شركاء في أرض واحدة ومستقبل واحد. ولبنان، بكل تنوعه وتاريخه، يستحق أن يكون أكبر من انقساماته، وأن تبقى وحدته الوطنية أساس استقراره وكرامة شعبه وأمله في المستقبل.



