في ميزان الصناديق والبارود

ب✍️محمد الجوهري.

ناشط وكاتب سياسي.

ليست الحرب فعلاً عسكرياً خالصاً، ولم تكن يوماً كذلك. هي في جوهرها سؤال عن الشرعية: من يملك أن يقول «كفى»، ومن يملك أن يقول «هيّا»؟ وحين يتحرك الناخب نحو الصندوق في بلد بعيد عن ساحة المعركة، فإنه، دون أن يدري، يضع يده على زناد مدفع يقع على بعد آلاف الأميال.

هنا تتجلى المفارقة القديمة التي تأمّلها الفلاسفة: أن القوة وحدها لا تكفي، وأن السيف الذي لا يستند إلى تفويض يظل معلقاً في الهواء، مهما بلغ حدّه.

فالسلطة ليست ما تستطيع أن تفعله، بل ما يُعترف لك بأن تفعله. وما الانتخابات إلا لحظة يُعاد فيها توزيع هذا الإعتراف.

وعلى هذا، فإن فوز خصوم الحرب لا يوقف الطائرات في مدارجها، ولا يطفئ محركات حاملاتها. لكنه يفعل ما هو أعمق وأخفى: يسحب من الفعل العسكري ظلّه الأخلاقي. تبقى الصلاحيات في موضعها، غير أن اليد التي تمتدّ بها تصير يداً تحمل الشك، لا اليقين. وفي السياسة، الشك أحياناً هو بداية الحكمة، وأحياناً هو أول الطريق نحو الاحتواء.

ثمة فرق بين حرب تُخاض لأن أحداً لم يمنعها، وحرب تُخاض لأن الجماعة أرادتها. الأولى جموح، والثانية قرار. والفارق بينهما هو الفارق بين العاصفة والملاحة: كلتاهما حركة، لكن الثانية تعرف وجهتها وتتحمل ثمنها.

أما الحليف الذي يطلب «ساعة الصفر»، فيتعلم درساً قديماً: أن الشيك على بياض لا يصرفه أحد إلى الأبد، وأن الرعاية التي تبدو بلا حدود تعلّق دائماً بمزاج الناخبين.

وأما الخصم الذي كان يقرأ التصعيد قدراً لا مفرّ منه، فيكتشف أن القدر نفسه يتبدل بتبدل الأغلبيات. وهكذا تتعلم الأطراف كلها أن الأرض لا تُقاس بالخرائط وحدها، بل بما يدور في عقول الناس البعيدين عنها.

وربما كانت هذه أعمق مفارقات العصر: أن مصير مضيق ضيّق تعبره ناقلات النفط قد يتحدد في قاعات الإقتراع، وأن الاقتصاد، ذلك العلم الذي يدّعي البرود، يتنفس مع كل رسالة تهدئة ويختنق مع كل نذير. فالأسواق، في النهاية، ليست إلا مرآة للخوف والرجاء الإنسانيين، تعكسهما بالأرقام.

فلا الاحتواء نصر، ولا التصعيد حكمة. كلاهما أداة، وقيمة الأداة في الغاية التي تُوجَّه إليها. وأعظم ما قد تحققه لحظة سياسية كهذه ليس أن تُنهي الحرب بجرّة قلم، فهذا وهم الطغاة والحالمين معاً، بل أن تجبر الجميع على أن يعيدوا السؤال الأول: لماذا نحارب؟ وما الذي نريده بعد أن تصمت المدافع؟

فمن لا يملك جواباً عن هذا السؤال، يملك سلاحاً بلا معنى، ومن يملكه، يدرك أن أبلغ الانتصارات هي التي تجعل الحرب التالية غير ضرورية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى