محفوظ: تصعيد أميركي – ايراني = صفر حرب + هدنة ومفاوضات

أمر لافت للإنتباه هو التصعيد الأميركي والايراني في الوقت نفسه. وهو تصعيد يلامس حافة الإنهيار وإنما محسوب ومدروس بحيث لا يذهب إلى خيار الحرب التي لا تعطي نصرا لأحد وإنما تدميرا في البنى التحتية الايرانية والإقتصاد والبورصة الأميركية وأسواقها المالية وتراجع في شعبية الرئيس الأميركي دونالد ترامب و"شعبية الحرب" وتنامي معارضة الداخل الأميركي وتفككا في الحزب الجمهوري وحظوظا في الإنتخابات النصفية لصالح الحزب الديموقراطي المعارض. وأما المتضرر الأساسي أميركيا من معاودة الحرب الأميركية على ايران فهو نائب الرئيس جيه دي فانس الذي مدخله إلى البيت الأبيض والرئاسة الأميركية هو أن تنتهي المفاوضات الأميركية – الايرانية إلى "اتفاق إطار" يعتمد فكرة المقايضات بين واشنطن وطهران. وهذا ما لا ترغب فيه اسرائيل حيث مصلحتها الفعلية هي في معاودة الحرب واستدراج الولايات المتحدة الأميركية من جديد إلى حيث تريد اسرائيل.

وواقع الأمر يعرف الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن الحرب الأميركية على ايران أصبحت من دون شعبية أميركية ولا تلقى تجاوبا من حلفاء أميركا التقليديين وعززت من موقع روسيا والصين وأنتجت محورا من الدول الاسلامية المتعاطفة مع ايران من كل من تركيا ومصر وباكستان وهو محور يتجه إلى التوسع بعد انضمام المملكة العربية السعودية إليه وخصوصا وأن دول الخليج بغالبيتها لم تعد مقتنعة بأن السياسة الأميركية توفّر لها غطاء وشبكة أمان وأن السلاح الأميركي لا يحول دون استهداف القواعد الأميركية سيّما وأنها المتضرر الأساسي من الحصارين : حصار مضيق هرمز من جانب ايران وحصار المرافئ الايرانية من جانب الولايات المتحدة الأميركية. وكل ذلك أدّى إلى إلحاق أضرار كبيرة بالإقتصاد الخليجي وبتسويق نفطه ومشتقاته وبكون دول الخليج ملاذا آمنا ماليا واقتصاديا للشركات العالمية الكبرى الأمر الذي دفع أكثرها إلى البحث عن ملاذات آمنة في اسبانيا والبرتغال وسويسرا وبلجيكا.

ولعل واشنطن أدركت متأخرة أن اغتيال الدكتور علي لاريجاني الأمين العام لمجلس الأمن القومي كان خسارة مشتركة لها ولطهران. فلاريجاني كان يحوز بثقة الحرس الثوري والديبلوماسية الايرانية والإتجاهات المحافظة والمنفتحة. وكان اغتياله من الجانب الاسرائيلي مدروسا ومقصودا كونه يفهم العقل الغربي والأميركي ويضع فلسفة المفكر الألماني kant في سياق لغة مشتركة بين الحضارتين الأميركية الغربية والايرانية المشرقية. وكان هدف الإغتيال الاسرائيلي "قطع الجسور" بين هاتين الحضارتين. ومع ذلك فإن الإدراك الأميركي المتأخر لهذه الخسارة يمنح "منطق المقايضات" مكانا جديدا. فالرئيس الأميركي دونالد ترامب هو "رجل صفقات". وأي صفقة تحتاج إلى تفاوض ومقايضات. والصفقة الأميركية – الايرانية وهي تتناول أمورا جوهرية تحتاج إلى وقت. ولا تكون بسياسة الإملاءات وخصوصا أن ايران تحتاج بدورها إلى ترميم ثقتها بالإدارة الأميركية بعد تجربتين في التفاوض أنهاهما سيد البيت الأبيض بحرب بفعل اسرائيلي وبتأثير من اللوبي اليهودي وتعاطف من بعض فريقه ومن عضو الكونغرس ليندسي غراهام ومن الانجيليين الجدد الذين يعتبرون قيام دولة اسرائيل القوية هو المدخل لعودة السيد المسيح.

كما أن واشنطن تخطئ من جديد عندما تراهن على "تباعد" بين الحرس الثوري والديبلوماسية الايرانية وعلى تباين في الموقف من المفاوضات. فالأصح أن هناك تنوعا فكريا في ايران محكوم بالمصالح العليا وبالأمن القومي. وهذا التنوّع يتيح نوعا من التمايزات في التكتيك لا في التوجه الإستراتيجي. فلا يمكن في وضع كهذا الإندفاع نحو استنتاج خاطئ بأن وزير الخارجية الايراني عباس عراقجي يخالف خيارات الحرس الثوري ومجلس الأمن القومي. فهو يلتزم بالخيار الايراني النهائي ويسوقه ديبلوماسيا.

معاودة الحرب لا تأتي بحل. بل تعيد تعقيد المشهد الاقليمي والدولي وتفاقم من ظاهرة الإنهيارات المالية والبورصات في أكثر من مكان. فايران اعتادت على الحصار والعقوبات المالية لأربعين سنة مضت. وهذا ليس شأن غالبية دول العالم المتضررة من إغلاق الممرات والحصارات. وفي "المشهد" أقنع قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير الرئيس دونالد ترامب بضرورات المقايضات وما تقتضيه. كما أن رئيس وزراء باكستان محمد شهباز شريف يمون على ايران بانتزاع مرونة ملحوظة منها للتفاوض ولضمان تجاوب أميركي للذهاب نحو "اتفاق إطار" وتحاشي الحرب.

          *عبد الهادي محفوظ*

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى