
لا يأتي غياب ثقة الحرس الثوري بنوايا الرئيس دونالد ترامب من عدم. وتجربة الحربين ماثلة أنها حصلت في ظل مفاوضات كان يمكن أن تنتهي إلى اتفاق إطار عطّله التدخل الاسرائيلي والعلاقة الشخصية بين الرئيس الأميركي وبنيامين نتنياهو بعد "تزيين" الأمر لسيد البيت الأبيض بأن الحرب على ايران هي "نزهة قصيرة" تنتهي بتغيير النظام الايراني في فترة ثلاثة أيام. وهذه الحسابات الاسرائيلية كان غرضها أخذ الولايات المتحدة إلى حيث تريد اسرائيل في تحقيق هيمنة سياسية واقتصادية على المنطقة وتفتيتها وتفكيك جيوشها وبنيتها التحتية وتحديدا في ايران. فخارج توريط واشنطن بالحرب يتعذر على اسرائيل الوصول إلى هذه الهيمنة مع وجود ثلاثة جيوش اقليمية قوية في ايران وتركيا ومصر. وأيضا جيش اسلامي يمتلك "قنبلة نووية" في باكستان.
وفكرة الهيمنة الاسرائيلية على المنطقة عبر استدراج الولايات المتحدة إلى الحرب أيقظ المخاوف في كل من تركيا ومصر ما أنتج "تعاطف الضرورة" من البلدين مع ايران وتشكيل "شبكة أمان" للمستقبل في قيام المحور الإسلامي بأهدافه المتوسطية وبأدوار مرتقبة لجيوشه في المستقبل وبضغوط على التوجه الأميركي. وهي ضغوط من دول حليفة في الأساس للولايات المتحدة الأميركية لا يمكن لواشنطن إلا أن تأخذها في الإعتبار خصوصا وأن صمود ايران في الحرب وتماسك الداخل الايراني ودعمه للقيادة أنتج غياب الشعبية الأميركية لها وتباينات في مواقف دوائر القرار الأميركي و"تمرّد" على تفرّد الرئيس ترامب كما جرى مع رئيس جهاز مكافحة الإرهاب جو كينت وهو من الفريق المقرب من البيت الأبيض والذي عبّر بالإستقالة من منصبه عن اعتراضه على التأثيرات الاسرائيلية وفريق اللوبي اليهودي في الإدارة الأميركية واستطرادا الخلافات في فريق ترامب تتمظهر في الإقالات الأخيرة لعدد من الوزراء المحسوبين عليه.
والملاحظ أن تصريحات الرئيس دونالد ترامب ترتكز إلى "فلسفة المغالطات" أي إلى الشيء ونقيضه معا. وهو أمر يرفع من منسوب الشك وعدم الثقة من الجانب الايراني خصوصا وأن مضمون كلام الرئيس يقوم على بروباغندا إعلامية من نوع أنه "هو يصنع الفوضى في القيادة الايرانية". و"ايران تواجه صعوبة بالغة في معرفة من هو قائدها". وأن "الصراع الداخلي بين المتشددين الذي يخسرون بشدة في ساحة المعركة والمعتدلين الذين ليسوا معتدلين فعليا هو أمر جنوني".
وفلسفة المغالطات هذه مقصودة. وهدفها الإرباك في معرفة أي الخيارات يريد الرئيس دونالد ترامب: خيار الديبلوماسية أم خيار "العصر الحجري" التي يتوقع إشارتها من واشنطن وزير الحرب الاسرائيلي يسرائيل كاتس الذي أعلن "نحن ننتظر الضوء الأخضر من الولايات المتحدة الأميركية لإعادة ايران إلى العصر الحجري عبر تدمير منشآت الطاقة والكهرباء الأساسية وتفكيك بنيتها التحتية".
أيا يكن الأمر القرار في معاودة الحرب على ايران هو للرئيس دونالد ترامب وليس لرئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو. وهذا يثبت أن الفاعل الرئيسي في المنطقة والحرب هي واشنطن وأن تل أبيب هي حجر شطرنج وإنما مصلحتها الفعلية هي في توريط الرئيس ترامب في معاودة الحرب كونها تعتبره الأقرب إليها وإلى حساباتها بين كل الرؤساء الأميركيين السابقين.
وبهذا المعنى فإن الحذر الايراني في مكانه من نوايا سيد البيت الأبيض وهي تسعى (أي ايران) عبر الوسيط الباكستاني إلى سبر هذه النوايا وفحصها بجلب تطمينات وبتوسيع دائرة الشركاء الفاعلين في المفاوضات مثل روسيا التي تملك وزنا لمقاربة تخصيب اليورانيوم بحكم العلاقة الشخصية الودية بين الرئيس فلاديمير بوتين والرئيس دونالد ترامب. وكذلك الصين تحديدا المستهدفة في الحسابات البعيدة أميركيا من الحرب على ايران. والأرجح أن كلمة الصين مسموعة في طهران وواشنطن لتغليب الخيار الديبلوماسي باعتبار أن معاودة الحرب هذه المرة توسّع من رقعة الشطرنج بتهديد السلام العالمي. ولا ننسى أن لعبة الشطرنج هي فارسية في الأساس ولا تستبعد طهران مباراة شطرنج بين أساطيل الحرب الأميركية و"أسطول البعوض" التابع لايران والمقيم في الكهوف في حال شاءت واشنطن أن تخذل الخيار الديبلوماسي.
*عبد الهادي محفوظ*



