محفوظ: ترامب “صانع السياسات وحرق المراحل” نحو ايران ولبنان

يرى أحد الخبراء الأميركيين الذي أمضوا فترة طويلة في العمل الديبلوماسي الأميركي أن الرئيس دونالد ترامب هو "صانع سياسات وليس ملتزما بسياسة واحدة". أي أنه يطرح أفكارا معيّنة فإذا لم تتحقق يذهب إلى أفكار أخرى أو إلى الحرب.

وحقيقة الأمر أن الرئيس ترامب جرّب حربين مع ايران كانتا من دون نتائج في ما يرمي إليه من تغيير النظام السياسي أو في "تحريك الداخل الايراني" ضد الجمهورية الإسلامية. ومعنى هذا الأمر أن "صانع السياسات" يبحث حاليا عن بدائل للحرب بالضغط على ايران. وهو يستنتج بأن الحصار البحري للموانئ الايرانية له نفس مفاعيل الحرب لأنه يؤدي حسب رأيه إلى خسارة ٥٠٠ مليون دولار لطهران.

ما يسقط من بال الرئيس الأميركي دونالد ترامب صحيح أنها تخسر ماليا في الحصار البحري لكن بمستوى أدنى بكثير من الرقم الذي اعتمده. هذا أولا. وثانيا ايران اعتادت على العقوبات والحصارات الإقتصادية والجغرافية والمائية ولها منافذ متعددة على الأسواق وطرقا للإلتفاف على الحصارات. وثالثا لها شراكات اقتصادية ومالية ونفطية مع دول الجوار والصين وروسيا وموقع تجاري ومالي مؤثر في الملاذ الآمن الذي شكّلته دبي للشركات العالمية. ورابعا لايران حدود مفتوحة مع ستة عشر دولة بأغلبها إسلامية تتجه إلى إقامة محور إسلامي يجد في السياسات الاسرائيلية خطرا يهدد جيوشها ومجتمعاتها وتماسكها. وخامسا ميزة ايران هي "الصبر" واستثمار الوقت. وهذا أمر مرتبط بحضارتها الفارسية التي تمتد إلى آلاف السنين وإلى "فلسفة حياكة السجاد" والخيط والمقاربة الجمالية والإنسجام في المنتج. وسادسا البعد الأيديولوجي الديني للنظام الايراني الذي يعتبر الموت دفاعا عن الجمهورية الإسلامية شهادة ونصرا وأسلوبا مرغوبا به بملاقاة الله ودخول الجنة. ومثل هذا البعد الأيديولوجي لا يتوفّر في فلسفة النظام الرأسمالي الأميركي التي تقتصر على الحسابات العسكرية والإقتصادية والمالية والتفوّق في سلاح الطيران والبحرية والسلاح النووي.

"صانع السياسات" أي الرئيس دونالد ترامب حيّرته الفلسفة السياسية الايرانية. وتكاد تُخسر الحزب الجمهوري في الداخل الأميركي في الإنتخابات النصفية الأميركية. فهو يريد أن يسرّع استجابة ايران إلى مطالبه في التفاوض وهي متمنّعة عن ذلك. والوقت عنصر ضاغط ليس في صالح سياساته. وهذا ما تعرفه كل من موسكو وبكين اللتين تعتبران الحرب الأميركية على ايران فرصة ومدخلا للخروج من النظام الدولي وأحادية القطب الأميركية. والمفارقة أن "صانع السياسات" يحتاج حاليا إلى موسكو لإيجاد مخرج لموضوع تخصيب اليورانيوم عبر إيداع الفائض منه لديها بعد التوافق على تخفيض للمنسوب في المفاوضات. وهذه ورقة يحتاجها " صانع السياسات" للقول "أنا المنتصر وأنا الذي منعت حصول ايران على قنبلة نووية". ولا مانع لطهران من إعطائه هذا الإنطباع.

لا شك أن باكستان تقوم بدور يتجاوز "ساعي البريد". ففي الوقت الضائع تقوم بنقل الرسائل وتقريب وجهات النظر. وفي هذا السياق ينبغي تفسير وجود وزير الخارجية الايراني عباس عراقجي في إسلام أباد والزيارة المرتقبة لستيف ويتكوف وجاريد كوشنير.

أيا يكن الأمر لبنانيا وعلى مستوى السلطة السياسية مقاربة فلسفة "صانع السياسات" الرئيس ترامب بين لبنان واسرائيل تفترض انتزاع "ضمانات لبنانية" من سيد البيت الأبيض. خصوصا وأن الرئيس الأميركي يعتبر الملف اللبناني في مثابة ملف شخصي له. والصحيح أن الرئيس العماد جوزاف عون وضع خطوطا حمرا للتفاوض بالإنسحاب الإسرائيلي من الجنوب وبتنفيذ القرار ١٧٠١ ووقف سياسات الهدم وإعادة الأسرى وإعمار الجنوب والعودة لاتفاق الهدنة وحصرية السلاح. إنما مثل هذا التوجه يفترض بدوره ضغوطا أميركية على نتنياهو. ومثل هذه الضغوط الأميركية تبقى محدودة علما أنه في التجربة الوحيد الذي يمكنه انتزاع التنازلات من نتنياهو هو الرئيس الأميركي دونالد ترامب. وهذا ما يدركه وزير الخارجية السعودي فيصل بن سرحان الذي يسعى لبنانيا إلى "تغيير قواعد اللعبة" بأن يكون لبنان من ضمن محور عربي اقليمي سعودي تركي وبتنسيق مع واشنطن وفرنسا والدول الأوروبية وحتى روسيا والصين لتجنّب الأفخاخ الإسرائيلية. ومثل هذا التوجّه السعودي يؤثر أن يكون التحرك اللبناني في ضوء المعطيات واختبار النوايا يتجه إلى "اتفاق أمني لإنهاء الحرب" لا إلى اتفاق سلام في الوقت الحالي.

في كل الأحوال نحن إزاء هدنة هشة في الجنوب. والسؤال كيف يتعامل معها "صانع السياسات" الرئيس دونالد ترامب الذي يحاول حرق المراحل في كل من ايران ولبنان خصوصا وأن من بين ما يبحث عنه إضافة إلى كون لبنان منصة أميركية هو النفط والغاز في البحر اللبناني بعد شرائه لشركة توتال. وهذه نقطة يمكن البناء عليها والإستثمار فيها من الرئيس العماد جوزاف عون.

              *عبد الهادي محفوظ*

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى