محفوظ: كيف قرأ هنري كيسنجر ورقة الجنوب اللبناني والمحيط

كيف قرأ هنري كيسنجر ورقة الجنوب اللبناني والمحيط

في لقاء مع ممثلي المصارف اللبنانية في اجتماعات لصندوق النقد الدولي في العام ١٩٨٩ وفي حضور مصارف دولية، أقام الأميركي اليهودي ادموند صفرا مؤسس البنك الجمهوري الوطني لنيويورك من أصل لبناني عشاء حضره من الجانب اللبناني الدكتور نعمان الأزهري والدكتور حسن كنعان والدكتور طوني الشويري والدكتور أحمد الحاج وعدنان القصار رجل الأعمال.

وفي كلمة لادموند صفرا أشاد فيها بلبنان علّق وزير الخارجية الأميركي السابق هنري كيسنجر قائلا: "ما يهمنا في لبنان هو الشيعة". فسأله رئيس مجلس إدارة فرنسبنك عدنان القصار لماذا. وكان جواب هنري كيسنجر: "من يمسك ورقة الجنوب بيده اليسرى يمسك أزمة الشرق الأوسط بيده اليمنى…"

التنافس على "ورقة الجنوب اللبناني" حاليا يكشف أهميتها في حسابات كل الأطراف مجتمعة من الولايات المتحدة الأميركية ومن اسرائيل ومن ايران ومن السلطة اللبنانية. وأحد وجوه المشكلة هو غياب الشيعة اللبنانيين عن التفاوض ما يعقّد المشهد ويفضي إلى "التصعيد العسكري وسياسات الهدم والتهجير والسجال الحاد بين السلطة اللبنانية وحزب الله والتردد اللبناني بين مفاوضات مباشرة ومفاوضات غير مباشرة وكون المفاوض غير المحارب إضافة إلى غياب التوافق على الفصل والوصل بين المسارات".

ومن جديد يتعمّق المأزق اللبناني الداخلي في ظل الخلاف على مفهوم المفاوضات بين لبنان واسرائيل برعاية أميركية. اعتراض من حزب الله على المفاوضات المباشرة وتمسّك من رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون بخيار التفاوض الذي بدأه والذي وضع له "سقوفا" لا يمكن تجاوزها وهي وقف النار وتطبيق القرار ١٧٠١ والإنسحاب العسكري الاسرائيلي وعودة المهجرين إلى قراهم وإعادة البناء.

وهذه "السقوف" في نظر حزب الله لا تلقى قبولا اسرائيليا ولا ضغوطا أميركية لتحقيقها فعلا. وهو يؤثر المفاوضات غير المباشرة . وكل ذلك يرفع من حدّة السجالات والإنقسام اللبناني ما يضعف في الوقت نفسه موقف الطرفين: السلطة السياسية في إدارتها لملف التفاوض وحزب الله في علاقته مع باقي المكوّنات. وهذا يعني من جديد أنه ليس من قراءة واحدة عند اللبنانيين لمفردات السيادة والعدو والصديق والمواطنة والمشترك ما يعطي لاسرائيل أن تدفع بمعادلة الفصل بين السلطة السياسية وحزب الله وتبرر استهداف المدنيين باعتبارهم بيئة حاضنة وتدمير البيوت واستكمال السيطرة العسكرية على "الحزام الأصفر" واستهداف ما بعد الليطاني والبقاع بالطيران الحربي على ما تُسرّ به مصادر ديبلوماسية أوروبية.

وواقع الأمر أن اسرائيل تستفيد من الإنشغال الأميركي بتعقيدات المسار التفاوضي مع ايران ما يتيح لها الإفلات من الضغوط الأميركية ومن وعود البيت الأبيض بتحقيق "الورقة اللبنانية" وفي لجم السياسة العدوانية نحو لبنان. فالإستئثار الاسرائيلي حاليا في التعاطي مع الجنوب اللبناني من خارج الإلتزام بالهدنة التي اقترحها الرئيس دونالد ترامب يرمي أيضا إلى تخريب التفاوض بين واشنطن وطهران عبر لغة التصعيد العسكري. فالمصلحة الاسرائيلية هي في استدراج الولايات المتحدة الأميركية إلى الحرب من جديد في لحظة يبدو فيها الرئيس دونالد ترامب مترددا وخصوصا أنه يعاني في "فريقه الأمني" من انقسامات بين من يريد الحرب وبين من يريد وقفها. وهذه الحقيقة هي التي جعلت موسكو تطل برأسها تحت عنوان "مساعدة الرئيس ترامب لعدم الإنجراف من جديد بحرب مدمّرة وعبثية". وموسكو في هذا السياق تقدمت لوزير الخارجية الايراني عباس عراقجي بأفكار تُحدث تعديلا مرنا على الجواب الذي بعثته طهران إلى واشنطن عبر الوسيط الباكستاني وكانت قد اقترحت فيه "تأجيل البحث في الملف النووي". فموسكو ترى أن يكون هناك عناوين "للإتفاق الإطاري" بما فيه "الملف النووي" التي تعتقد أنها قادرة على إيجاد "مخرج له" بحوار بين الرئيس فلاديمير بوتين والرئيس ترامب وبتفويض من طهران وبضمانات روسية "لاتفاق الإطار".

وإلى أن تقترب المفاوضات بين واشنطن وطهران من قواسم مشتركة تبدأ برفع جزئي للحصار البحري الأميركي على المرافئ وبالسماح بعبور جزئي من جانب ايران لناقلات النفط وبتفاهمات على "الأصول الايرانية المجمّدة". وإلى أن يحصل ذلك يبقى لبنان معلّقا. فالوصول الفعلي إلى "اتفاق إطار بين الولايات المتحدة الأميركية وايران يفسح المجال إلى "تفاهمات أميركية – ايرانية" حول وقف النار في لبنان. ومثل هذه التفاهمات قد تفضي إلى "تحييد اسرائيل وايران" عن الوضع اللبناني وإلى إيجاد مخرج للسلاح وإلى "رعاية أميركية" للوضع في الخط الأصفر بعناوين "منطقة اقتصادية حرة" وتطبيع العلاقات في السلطة السياسية وبينها وبين المكوّنات.

           *عبد الهادي محفوظ*

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى