
ب✍️محمد الجوهري.
يبدو المشهد الإقليمي في هذه المرحلة أقرب إلى وقوفٍ طويل على حافةٍ ضيقة، حيث تتداخل الرسائل السياسية مع الإشارات العسكرية، وتتحول كل كلمة إلى جزء من معركة أوسع لا تُخاض بالسلاح وحده، بل أيضًا بالمواقف والتوقيت والإنطباع. لا يبدو أن المنطقة تتجه الآن إلى حرب شاملة مباشرة، لكن ذلك لا يعني أنها آمنة أو مستقرة. بل ربما العكس هو الصحيح: كلما طال التوتر من دون انفجار، زادت هشاشة اللحظة، وصار أي خطأ صغير قادرًا على إشعال مساحة أكبر مما يتوقعه الجميع.
في هذا المناخ، تتحرك القوى الأساسية في المنطقة وكأنها تختبر بعضها البعض ببطء. واشنطن، من جانب، تريد أن ترفع منسوب الضغط من دون أن تدفع الأمور إلى انفلات كامل. وتل أبيب، من جانب آخر، تبحث عن توسيع هامش المناورة عبر الضغط على أكثر من جبهة في آن واحد. أما طهران، فتبدو حتى الآن متمسكة بسلوك يقوم على الثبات لا الإندفاع، وعلى الترقب لا الإستعجال.
وهذه النقطة بالذات هي التي تمنح المشهد قدرًا من التوازن النسبي، رغم أن هذا التوازن نفسه هش وقابل للكسر في أي لحظة.
المؤشر الأهم في هذه المرحلة هو أن الأطراف تبدو أقرب إلى اختبار حدود الردع من الذهاب إلى كسرها بالكامل.
وهذا يعني أن ما قد نراه خلال الفترة المقبلة ليس بالضرورة حربًا مفتوحة، بل سلسلة من الضربات المحدودة، والرسائل الموضعية، والإستعراضات المحسوبة.
لبنان وغزة والعراق تبقى الساحات الأكثر قابلية للتفاعل السريع، لأن كل واحدة منها تحمل داخلها قابلية الإشتعال، وفي الوقت نفسه تشكل جزءًا من الحسابات الكبرى بين اللاعبين الأساسيين.
لذلك فإن ما يبدو محليًا في الظاهر، قد يكون في الحقيقة جزءًا من صراع إقليمي أوسع تُدار تفاصيله بحسابات دقيقة.
أما الموقف الإيراني، فهو على الأرجح العامل الأكثر ثباتًا في هذه المعادلة. فإيران لا تبدو في موقع من يريد خوض معركة مفتوحة لمجرد أن الخصم يرفع صوته. بل تتحرك وفق منطق أكثر برودة، يقوم على امتصاص الضغوط أولًا، ثم الرد في اللحظة التي تراها مناسبة.
هذا السلوك ليس ضعفًا، بل هو في الغالب تعبير عن إدراك لطبيعة المرحلة.
فالدول التي تدخل المواجهة وهي متوترة أكثر من اللازم، غالبًا ما تخسر فرصة التحكم بالمسار.
أما الدول التي تعرف كيف تنتظر، فهي عادة تملك وقتًا أكثر مما يظنه خصومها.
من هنا، يمكن فهم ثبات الموقف الإيراني بوصفه عنصرًا نفسيًا وسياسيًا في آنٍ واحد. نفسيًا، لأن الصبر في الأزمات يمنح صاحبه صورة القوة. وسياسيًا، لأن الثبات يخلق انطباعًا بأن الطرف لا يُدار بالاستفزازات الآنية.
وفي عالمٍ تحكمه الرسائل السريعة والانفعالات المتبادلة، يصبح الصبر نفسه شكلًا من أشكال القوة.
ليس لأنه يوقِف العاصفة، بل لأنه يمنعها من أن تتحول إلى إعصار قبل أوانه.
قمة بكين، في هذا السياق، تبدو أقرب إلى محطة ضغط إضافية منها إلى منصة تسوية سريعة. فمثل هذه القمم لا تُبنى عادة على نية الحل العاجل، بل على محاولة رفع الأوراق التفاوضية قبل الجلوس إلى الطاولة. وكل طرف يدخلها وهو يريد أن يظهر أكثر تماسكًا وأقل حاجة إلى التنازل.
ولذلك فإن الرهان الأساسي خلال الأيام المقبلة سيكون على تحسين الموقع لا على إنتاج اتفاق نهائي.
هذا لا ينفي احتمال التهدئة، لكنه يجعلها تهدئة مؤقتة ومشروطة، لا حلاً جذريًا.
لكن الفلسفة السياسية البسيطة تذكّرنا دائمًا بأن الأزمات الكبرى لا تبدأ من العناوين الكبيرة فقط، بل أحيانًا من سوء فهم صغير.
فالحرب ليست دائمًا قرارًا محسوبًا بالكامل، بل قد تكون أحيانًا نتيجة لسلسلة من التقديرات الخاطئة، أو لرغبة طرف في اختبار صبر الطرف الآخر أكثر مما يجب. ولهذا يبقى الخطر الحقيقي في هذا المشهد ليس مجرد وجود التوتر، بل احتمال أن يفسر أحدهم التوتر على أنه فرصة، بينما يراه الطرف الآخر تهديدًا وجوديًا.
عندها، قد يتحول الإحتواء إلى مواجهة، والمواجهة إلى سلسلة انفجارات يصعب وقفها.
لهذا يمكن القول إن الأسبوع القادم سيبقى على الأرجح أسبوع ضغط لا أسبوع حسم. ستستمر الرسائل، وستبقى الساحات المفتوحة قابلة للإهتزاز، لكن الحرب الشاملة ليست السيناريو الأكثر ترجيحًا في هذه اللحظة. ومع ذلك، فإن هذا الترجيح لا يعني الطمأنينة، بل يعني فقط أن المنطقة ما تزال في مرحلة ما قبل الإنفجار، لا بعده. والفرق بين المرحلتين قد يكون جملة سياسية، أو ضربة موضعية، أو خطأ في الحساب.
في النهاية، ما يميز هذه اللحظة هو أنها تكشف شيئًا قديمًا في السياسة: أن القوة ليست فقط في القدرة على الضرب، بل أيضًا في القدرة على التأخير. وأن الثبات، في بعض الأحيان، ليس موقفًا دفاعيًا، بل أداة لإعادة تعريف الزمن نفسه.
وهنا تحديدًا تبدو إيران، في هذا المشهد، أقرب إلى طرف يراهن على الزمن أكثر من رهانها على الضجيج.
وهذا ما يجعلها، حتى الآن، الطرف الأكثر ثباتًا في معادلة قلقة، وأوسعها قدرة على الإنتظار في عالم يزداد استعجالًا.



