
بقلم: محمد الجوهري.
بينما كانت الصواريخ تكتب على سماء المنطقة جملة قصيرة وواضحة: «انتهى زمن الصبر»، كان بعض المسؤولين في بيروت يراجعون نصوص بياناتهم القديمة، يبدّلون التاريخ ويتركون كل شيء آخر على حاله. في إيران الجديدة و"إسرائيل الجديدة" تُقاس الكلمات بعدد منصّات الإطلاق، أما في الجمهورية الصغيرة فتكفي منصة منبر وميكروفون كي يتقمّص السياسي دور الفيلسوف و«حارس السيادة».
يشبه المشهد حكاية ذلك الديك الذي اعتقد أن الفجر لا يطلع إلا إذا صاح؛ مع فارق بسيط: ديكنا الرسمي يواصل الصياح مطمئناً، حتى بعد أن احترقت الحظيرة.
طوال سنوات، أحبّ خصوم إيران أن يطمئنوا إلى أن «الصبر الاستراتيجي» ثابت من ثوابت سلوكها: تُحتسب الضربات على الحلفاء في لبنان وسوريا وفلسطين، ثم ينتهي الأمر عند حدود التحذير اللفظي.
لكن ما جرى في السنوات الأخيرة دلّ على أن هذا «الصبر» لم يكن عقيدة أبدية، بل خياراً مرحلياً يرتبط بحسابات القوة والتوقيت.
مع كل استهداف للضاحية الجنوبية لبيروت، ومع كل محاولة لتطويق حلفاء طهران، أخذ يتبلور تدريجياً منطق آخر: لن يبقى الرد مؤجلاً، ولن يظلّ محصوراً في الساحات الوسيطة.
الضربة على الحلفاء ستُحتسب على الأصل، والرد من الأصل سيُحتسب على الخصوم جميعاً.
بهذا المعنى، تبدو إيران الجديدة كمن ترك مقعده في غرفة المراقبة ودخل الحلبة بنفسه.
لم تعد بيروت، في المعادلة الإيرانية، مجرد ساحة يتنازع عليها اللاعبون الكبار، بل نقطة ارتكاز في شبكة ردع إقليمية؛ المسُّ بها يعني فتح الباب على اشتباك بين عواصم لا بين فصائل.
من هنا يصبح الحديث عن «الرد الفوري» بديلاً عن «الصبر الاستراتيجي» أكثر من مجرد تبديل في اللغة: إنه انتقال من سياسة إدارة الزمن إلى سياسة إدارة المبادرة. الزمان هو الآن، والمكان هو هناك حيث يوجعك أكثر.
في المقابل، تتشكّل ملامح "إسرائيل الجديدة" تحت ضغط هذا التحوّل.
كيانٌ اعتاد أن يفتتح كل جولة بالهجوم، وأن يحسمها بضربة جوّية «نظيفة» لا تستجلب رداً مكافئاً، يجد نفسه أمام واقع مختلف: صواريخ متوسطة وبعيدة المدى تكسر وهم التفوق المطلق، ووحدات دفاع جوي تعمل على حافة طاقتها القصوى لتمنع ما يمكن من الصواريخ، لا جميعها.
فجأة، يعود سؤال الردع إلى طاولة النقاش داخل المؤسسة السياسية والعسكرية: كيف تحافظ على صورة «الجيش الذي لا يُقهَر»، فيما الجمهور يجلس بالفعل في الملاجئ، أو يعيش على إيقاع صافرات الإنذار؟
المعضلة هنا لم تعد: هل تهاجم إيران أو حلفاءها؟ بل: هل تحتمل ثمن ردٍّ إيراني مباشر قد يطال العمق، ويكشف أمام العالم هشاشة درعك التي لطالما قدّمتها كجدار فولاذي لا يُخترق؟
بين واشنطن وطهران وتل أبيب، تُصاغ اليوم معادلات جديدة، لا مكان فيها للترف اللفظي.
هناك، كل كلمة يجب أن تدعمها منظومة دفاع، أو سرب طائرات، أو بنك أهداف.
من يتكلم بلا قوة، يتكلم في الفراغ، مهما بدا صوته مرتفعاً في نشرات الأخبار.
وسط هذا كله، تواصل الجمهورية الصغيرة أداء دورها التاريخي المفضّل: جمهورية الكلمات. يخرج بعض المسؤولين ليحدّثونا عن «سياسة النأي بالنفس»، بل خلعوا القفازات وكادوا ينددون بالقصف على الكيان وكأن الجغرافيا زر يمكن الضغط عليه لإطفاء الحروب. يستدعون الكاميرات، يضبطون ربطات الأعناق، يقرؤون بيانات عن «رفض تحويل لبنان إلى صندوق بريد للرسائل الإقليمية»، ثم يطوون الأوراق مطمئنين إلى أنهم أدّوا «قسطهم للسيادة».
المشكلة ليست أن الخطاب ممجوج، بل أنه يصدر عن طبقة سياسية تتصرّف كما لو أن لبنان يمتلك رفاهية اختيار موقعه في خريطة النار، فيما الواقع يقول إن الأرض نفسها صارت جزءاً من المعادلات التي يُكتب معظمها خارج أسوار القصر.
هكذا تبلغ الكوميديا السياسية ذروتها: دولة لا تملك جيشاً قادراً على فرض سيادتها جواً وبحراً وبرّاً، ولا اقتصاداً يسمح لها بورقة ضغطٍ واحدة، ولا حتى إجماعاً داخلياً على تعريف العدو، ومع ذلك تحاول أن تلعب دور الحكم المحايد بين طهران وتل أبيب وواشنطن.
الفلسفة تعلمنا أن «من لا يملك أدوات الفعل، لا يحق له التبرّع بحِكم الفعل».
في الحالة اللبنانية، تحوّل العجز إلى مدرسة مكتملة الأركان، وصار بعض المسؤولين يظنون أن البلاغة يمكن أن تقوم مقام القوة، وأن تصريحاً متوازناً قادر على إيقاف صاروخ في منتصف مساره.
في إحدى اللحظات الكاشفة لهذا العجز المتفلسف، وقف رئيس جمهورية في بلد خط النار ليسأل أمين عام حزب الله: «ماذا تريد؟». السؤال في ذاته مشروع، بل ضروري في العلاقات بين الدولة والقوى الفاعلة على أرضها، لو أنه صدر عن سلطة تملك مشروعاً واضحاً وحداً أدنى من القدرة على فرضه.
لكنه هنا بدا أقرب إلى سؤال طالب ضائع لا يعرف هو ماذا يريد، فيسأل غيره عن رغبته كي يقرّر لاحقاً إلى أي صف سينضمّ.
الأكثر سخرية أن الجهة التي وُجّه إليها السؤال ربما كانت الأكثر وضوحاً في إعلان ما تريد منذ عقود: مقاومة مسلّحة، إنخراط في محور إقليمي ووحدة ساحات، تعريف محدد للعدو، ورؤية – موضع خلاف أو إتفاق – لكيفية حماية البلد وكان الرئيس ينفذ معادلة جيش وشعب ومقاومة.
يشبه هذا المشهد سؤال أحد سجناء الكهف لمن خرج إلى النور وعاد يحذّرهم: «ماذا تريد؟». لا يرى في التحذير مشروع خلاص، بل مشروع إزعاج لراحة من اعتادوا على الظلال.
في النسخة اللبنانية المعكوسة من الحكاية الصوفية، لا يسأل المريدُ شيخَه عن الطريق؛ بل الشيخُ السياسي هو من يسأل المريدَ المقاوِم عمّا يريد، لأن الطريق عنده ضائعة أصلاً، والغاية الوحيدة أن يبقى كل شيء معلّقاً في الهواء، فلا يُسأل هو عمّا يملك من رؤية أو لا يملك. هكذا يتحوّل سؤال «ماذا تريد؟» من محاولة فهم إلى إعتراف مُبطّن بأن صاحب السؤال نفسه خالٍ من الإرادة الواضحة.
في الفلسفة يُضرَب مثل عن الجهل المركّب: أن يجهل الإنسان الحقيقة، ويجهل أنه يجهلها، ثم يصرّ على إصدار الأحكام في كل ما يجهل.
في السياسة اللبنانية، أخذ هذا الجهل شكلاً أكثر شاعرية: ديك السيادة الذي يغنّي فوق الخراب، مقتنعاً أن الفجر لا يطلع إلا إذا غنّى، وأن الحرب لا تندلع إلا إذا وافق.
لا يقرأ خرائط الردع الجديدة، ولا يحصي منصّات الإطلاق شمالاً وجنوباً وشرقاً، ولا يتابع جدياً النقاش العالمي حول مستقبل المنطقة، بل يكتفي بأن يضيف جملة جديدة إلى بيان قديم، ثم ينصرف راضياً عن أدائه.
المثل الفلسفي الذي يصلح خاتمة لهذا المشهد بسيط وقاسٍ: في عالَم المعادلات الصلبة، لا يُعفى الجاهل من ثمن جهله؛ وفي عالَم السياسة، لا يُعفى بلدٌ من ثمن سذاجة حاكمه.
من يرفض أن يكون جزءاً من المعادلة، يتحوّل تلقائياً إلى جزء من الثمن.
إيران الجديدة و"إسرائيل الجديدة" تعيدان كتابة قواعد اللعبة بصوت الصواريخ، بينما الجمهورية الصغيرة ما تزال تظن أن تغيير الفاصلة في البيان قد يغيّر موقعها في دفتر التاريخ.



