‏وداع رجل بحجم أمة، ولادة تاريخ

‏ب✍️محمد الجوهري.

‏ثمة لحظة يكفّ فيها الموت عن أن يكون خبراً، ليصبح مرآة. ومنذ فجر الثامن والعشرين من فبراير، حين حملت الصواريخ الأمريكية-الإسرائيلية اسم السيد علي خامنئي إلى الأبدية، لم تكن إيران وحدها من وقفت أمام تلك المرآة، بل المنطقة كلها، بتناقضاتها وأحقادها وأحلامها المؤجلة.

‏اليوم، وبعد أربعة أشهر من انتظار طال حتى بات هو نفسه جزءاً من المأساة، تبدأ مراسم وداع الرجل الذي حكم لقرابة أربعين عاماً بإسم ثورة قال إنها لم تكتمل بعد.

‏ تفتتح طهران أسبوعاً كاملاً من الحزن المنظّم، تمتد فيه المراسم إلى قم ومشهد، وتصل ظلالها إلى النجف وكربلاء، قبل أن يُوارى الجثمان في الروضة الرضوية بعد خمسة أيام. وحده هذا الامتداد الزمني، من طهران إلى مشهد، يكشف حجم الرجل: أن يحتاج وداعه إلى أسبوع كامل ومدن خمس كي يكتمل.

‏ولأن الرجل لم يكن مجرد حاكم، بل كان أيقونة تُختصر فيها دولة بأكملها، فإن هذا الأسبوع الجنائزي ليس طقساً يُوارى فيه جسد فحسب، بل سؤالاً يرافق كل يوم من أيامه: ماذا يبقى من مشروع حين يُقتل رمزه؟ وهل تموت الفكرة بموت حاملها، أم يتحول وداعها إلى ولادة أخرى لها، أعنف وأكثر إصراراً؟

‏من الناحية الإنسانية المجردة، عن كل السياسة، هناك رجل كهل طاعن رحل مع زوجته وابنته وصهره وحفيدته في غارة واحدة، جسده تناثر مع أجساد لم تكن يوماً جزءاً من معادلة القوة أو الصراع، بل كانت ببساطة عائلته.

‏ وهناك عائلة أخرى، عائلة نجله ووريثه، محاصرة بجرح لم يندمل، تُدفن أمامها الأم والأخت والزوجة والابنة في مشهد واحد، بينما يُطلب منها أن تحمل عبء الخلافة في اليوم ذاته الذي تحمل فيه عبء الفقد.

‏الموت حين يأتي جماعياً هكذا، بلا مقدمات ولا وداع، لا يترك للحزن شكله المعتاد؛ بل يتركه معلقاً بين الصدمة والفجيعة والإستنفار، وكأن الجسد الواحد الذي يُشيَّع يحمل معه أجساداً لا تُعرض على الشاشات، ولا يُكتب اسمها في العناوين.

‏لكن الوجودي في المشهد لا ينفصل عن السياسي. فحين تُفتتح مراسم الوداع في الرابع من يوليو، عيد استقلال أمريكا، ليبدأ أسبوع كامل من الحشد يتوّج بالدفن في مشهد، فإن في هذا التزامن رسالة لا تحتاج إلى شرح: نحن هنا، ما زلنا هنا، وموتكم لنا لم يصنع غيابنا بل صنع حشدنا.

‏الملايين التي تُقدَّر بعشرين مليوناً أو أكثر، بحسب تقديرات السلطات الإيرانية، والتي تسير خلف النعش من مدينة إلى أخرى، ليست مجرد مشيعين؛ إنها إعادة تعريف لمعنى الحضور في مواجهة محاولة المحو، حشد يطول لخمسة أيام كي يقول ما كان يمكن أن يُقال في ساعة واحدة، لو لم يكن المطلوب أن يُرى العالم كله حجم هذا الحضور.

‏وهنا يكمن جوهر المفارقة: أن كل اغتيال يراهن على أن غياب الرمز يُسقط الفكرة، بينما التاريخ، مراراً، يعلّمنا أن الجنازات الكبرى هي التي تصنع الأساطير، لا الخطب. فجنازة الإمام الخميني عام 1989 صارت مرجعاً بصرياً لكل جنازة سياسية-دينية تلتها، وجنازة خامنئي اليوم تُستحضَر بالمقارنة ذاتها، وكأن التاريخ الإيراني يكرر طقسه الجنائزي كي يجدد شرعيته من الموت نفسه.

‏في العمق الفلسفي، هذا ما يمكن تسميته "استعارة الحضور بالغياب": حين يتحول الجسد الغائب إلى نص مفتوح، يقرأ فيه كل طرف ما يريد. فمن نظر إليه خصماً يرى في نعشه نهاية حقبة من "التصلب والعناد" تجاه الغرب، ومن نظر إليه أباً روحياً يرى فيه استشهاداً يُكمل سلسلة طويلة من رموز المقاومة، بدءاً من علي والحسين عليهما السلام وصولاً إلى اليوم.

‏النعش واحد، لكن المعاني المتصارعة حوله متعددة.

‏وما بين هذا وذاك، يمتد النعش الواحد في المخيلة ليضم إليه نعوشاً لا تُرى، والحشد المليوني يمتد ليحمل في قلبه مأتم الآلاف من الذين رحلوا خلال العدوان، ومثلهم آلاف اللبنانيين الذين رحلوا في العدوان ذاته، وعشرات التلامذة الذين محتهم غارة واحدة على مدرسة ميناب التي كشفت عهر العدو وسفهه، ومن قبلهم جميعاً عشرات آلاف الشهداء من أبناء غزة الأبية وقياداتها التاريخية.

‏هؤلاء جميعاً، المشيَّع والمغيَّب، المذكور منهم والمجهول، ينسجمون في لحظة واحدة تحت راية واحدة من الحزن، وكأن النعش الذي يُشيَّع اليوم ليس إلا تلخيصاً لكل هذه الأرواح التي مضت بلا موكب ولا تأبين، ولكنها لم تمض بلا أثر، فقد حملتها الذاكرة في صمت، وحملها الوجدان في قلوب أهلها.

‏ففي هذا الحشد الذي يملأ الشوارع، يحضر أيضاً، بصمته الثقيل، كل من لم يجد من يحمل نعشه، فيصبحون جميعاً وجهاً واحداً للفقد ذاته، وامتداداً لمعنى المأساة التي لا تفرق بين من يُذكر باسمه ومن يرحل صامتاً في زحمة الرحيل.

‏في النهاية، لا يُقاس الرجل الذي يبدأ اليوم رحلة وداعه بما قيل فيه من مديح أو هجاء، بل بما سيتغير أو لا يتغير بعد أن يُوارى، في نهاية هذا الأسبوع، في الروضة الرضوية. فبعض الراحلين يُغلقون فصلاً، وبعضهم لا يُغادرون المشهد إلا ليفتحوا فيه باباً آخر، أشد تحدياً من الباب الذي أغلقته الصواريخ.

‏فالروح التي يظنّ القاتل أنها أُطفئت، غالباً ما تعود أشد اشتعالاً مما كانت، وكأن الدم الذي سال لم ينطفئ في التراب، بل تسرّب في عروق من بقوا، فصاروا أكثر إصراراً على البقاء، لا أقل تشبثاً بالفكرة. فكأن الرجل يهمس من تحت التراب وعداً أخيراً لمن أراد له الصمت: أن الصوت الذي أردتم إسكاته سيعود أعلى مما كان، وأن الدم لا يختم حساباً، بل يفتح حساباً آخر. والتاريخ، في لحظات كهذه، لا يرحم أحداً: لا الحي بغروره، ولا الميت بأسطورته، لكنه قد يرحم الروح التي رحلت جسداً وبقيت قضية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى