
ب✍️محمد الجوهري.
في زمنٍ تتكاثف فيه العواصف على خرائط الشرق، وتعلو فيه أصوات الحديد على همس المعنى، تبدو الإستراتيجية الإيرانية كأنها محاولةٌ لتثبيت قدم الإنسان فوق أرضٍ تتزلزل من تحتها الكلمات.
فهي لا تتحدث فقط عن قوةٍ تُقابِل قوة، بل عن روحٍ ترفض أن تنحني حتى حين يضيق الأفق، وعن وطنٍ يقرأ الجراح لا بوصفها هزائم، بل بوصفها شواهد على أن القلب ما زال ينبض، وأن الوجود ما زال يقاوم الفناء.
الصمود، في هذه الرؤية، ليس حجرًا يوضع على الصدر، بل شجرةٌ تعرف كيف تنمو في صخرة..
ليس عنادًا أعمى، بل وعيٌ بأن الأمم التي لا تحرس كرامتها، تُسلَب منها الكرامة كما تُسلَب النار من الرماد. لذلك، فإن إيران، في خطابها، لا تكتفي بأن تقول إنها باقية، بل تقول إن البقاء نفسه فعلٌ أخلاقي، وإن الثبات في وجه الحصار قد يكون أبلغ من ألف انتصارٍ سريع لا يترك خلفه سوى الغبار.
ومن هناك، من قلب الألم، تولد السياسة كأنها قصيدةٌ مكتوبة على حافة السيف. فالردع ليس مجرد حسابٍ عسكري، بل لغةٌ تقول للخصم إن للحدود روحًا، وإن للسماء ذاكرة، وإن للبحر صبرًا لا ينتهي.
وفي هذا المعنى، تبدو الوقاية ليست خوفًا من العاصفة، بل محاولةً لترويضها قبل أن تقتلع الجذور.
هكذا تتحول الإستراتيجية إلى نوعٍ من الشعر القاسي، حيث تُقال الحقائق بصيغة النار، ويُصاغ الدفاع عن الذات كأنه صلاةٌ طويلة في ليلٍ ثقيل.
أما الفلسفة الكامنة وراء هذا الموقف، فهي أن العالم ليس ساحةً عادلة، بل مسرحًا تتنازع فيه الإرادات، وأن من لا يملك روايته، تلتهمه رواية الآخرين.
ومن هنا، تصرّ إيران على أن تكون لها لغتها الخاصة في تفسير القوة والحق والسيادة. فهي لا ترى في الإستقلال شعارًا يعلو الجدران، بل نَفَسًا داخليًا يحفظ للأمة صورتها حين تتكاثف فوقها الأقنعة.
وحين تتحدث عن الصمود، فإنها لا تمدح الألم لذاته، بل تمنح الألم معنى، وتحوّل الجرح إلى شاهدٍ على أن الروح لم تُهزم.
في هذا الأفق، يصبح التاريخ نفسه أكثر هدوءًا، كأنه يصغي. فالدول، مثل البشر، لا تُقاس فقط بما تملك، بل بما تحتمل، ولا تُعرف فقط بما تنتصر فيه، بل بما ترفض أن تتخلى عنه. ولهذا فإن الرؤية الإيرانية، برغم ما يحيط بها من جدلٍ واعتراض، تحمل في عمقها نبرةً مأساوية نبيلة: نبرة شعبٍ ينهض من تحت الركام، ويقول للعالم إن للكرامة ثمنًا، وإن الحرية ليست زينةً في القواميس، بل دمًا في العروق، ونورًا في العيون، ووقفةً مستقيمةً رغم انكسار الريح.
وهكذا، فإن ما يبدو في الظاهر صراعًا سياسيًا، ينكشف في العمق كمعركةٍ على المعنى: من يعرّف القوة؟
من يملك الحق في تسمية الأشياء؟
ومن يقرر متى يكون الثبات حكمة، ومتى يكون الخضوع فضيلة؟
وبين هذه الأسئلة كلها، تمضي الرؤية الإيرانية كأنها تقول إن الأمم لا تعيش بالسلاح وحده، بل بما تحتفظ به من روحٍ لا تُشترى، ولا تُكسر، ولا تُختصر في بيان.



