
ب✍️محمد الجوهري.
حين أُطلقت عملية «الغضب الملحمي» باسم الردع، لم يُصنعْ ردعٌ، بل فُتح بابٌ لتمكين طهران على حساب جيرانها في غرب الخليج؛ فالقوة التي لا حساب لها تصنع فراغًا، والفراغُ يملأه من يملك صبرَ الإستراتيجية.
تقول «فورين بوليسي» إن ترامب، إذا وجد مخرجًا من صراع مع إيران، ترك السعوديين وغيرهم يواجهون التبعات؛ وهذه ليست صدفة، بل طبيعةُ تحالفٍ يقيس الولاءَ بالمصالح، لا بالمبادئ.
إن التاريخَ لا يكذبُ على من يقرأونه بعين البصيرة؛ فكلّ مرةٍ راهنَ فيها الخليجُ على الحماية الأمريكية، عادَ ليكتشفَ أن المظلةَ تُطوى حين تشتدّ العاصفة.
عام 2026 كان كارثيًا على الرياض التي تتمنى لو تُعزل بلادها عن مشاكل المنطقة، لكن الجغرافيا لا تعرف العزل؛ فالخليج جسدٌ واحد، إذا اشتكت منه صنعاء ارتجفت منه الرياض.
وكان السعوديون قد كنّوا ضغينةً شديدة لأوباما بسبب اتفاقه النووي مع إيران؛ واليوم، حين يُنقض تفاهمٌ مع السعودية يُتيح لها التكنولوجيا النووية مشروطًا بالتطبيع مع «إسرائيل»، تُكتب رسالةٌ أخرى: أن الأمن لا يُوهَب، بل يُبنى.
الأمنُ الحقيقيّ لا يُستورَدُ من عواصم بعيدة، ولا يُربطُ بشروطٍ تمسّ الهوية والكرامة؛ إنه ينبتُ من أرضٍ يُدافعُ عنها شعبٌ يؤمنُ بأن بقاءَه ليس هبةً من أحد، بل حقٌّ مكتوبٌ في تاريخه.
في هذا المشهد، يقول الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان: إن إيران اليوم معترف بها كدولة قوية ذات كرامة، وإن صمود البلاد كان بفضل الشعب؛ فإذا كنا مع الشعب فلن تسقطنا أي قوة.
ويضيف: إذا لم نخدم الشعب الإيراني نكون قد عارضنا الله؛ ونعلن أن ثقتنا انهارت تمامًا بحقوق الإنسان والمؤسسات الدولية بعد جريمة اغتيال قائدنا وقادتنا وأطفالنا.
هذه الكلماتُ ليست مجرد تصريحات، بل هي مرآةٌ تعكسُ حالةَ أمةٍ تكتشفُ أن المؤسسات الدولية قد تتحوّل إلى أدواتٍ في يدِ من يملك القوة، بينما يبقى الصمودُ الداخليّ هو الضمانَ الوحيدَ للبقاء.
وتكشف «فورين بوليسي» أن السعوديين يواجهون الحوثيين بمفردهم، فلم يتقدم أحد من جيرانها العرب للمساعدة؛ فمعظمهم أضعف من أن يواجهوا خطر الحوثيين.
وتختتم بأن تولي ترامب الرئاسة في هذه الفترة العصيبة التي تمر بها السعودية «أمر مؤلم»؛ وكأن التاريخ يُعيد نفسه: من كان يظن أن واشنطن ستُضعِف حليفَها حين تشتد الحاجة إليها؟
إن هذه العزلة النسبية للسعودية ليست مجرد حدث عابر، بل هي علامة على تآكل الجبهة العربية الموحدة، وتفسح المجال أمام إيران لإستخدام عمقها الإستراتيجي في اليمن كورقة ضغط.
في هذا المشهد، يأتي التفاهم الإيراني‑العُماني حول مضيق هرمز كعقد أمان لا كسلسلة تبعية؛ ممرٌ للملاحة، وجدار ضد الفتنة، ورسالة إلى العالم أن الخليج ليس ساحةً لتجربة القوة.
إن عُمان، بموقعها الجغرافي ودورها الدبلوماسي، تمثّل الجسرَ الذي يربطُ بين ضفتي التوتر؛ فهي لا تنحازُ إلى طرفٍ على حساب آخر، بل تسعى إلى حفظِ التوازنِ الذي يضمنُ استمرارَ الحياةِ في هذا الخليجِ المضطرب.
التفاهمُ حول هرمز ليس مجرد اتفاقٍ أمني، بل هو اعترافٌ بأن المضيقَ شريانُ حياةٍ لا يجوزُ أن يتحوّلَ إلى ساحةِ حرب؛ فإغلاقُه يعني اختناقَ الإقتصادات، وفتحه يعني استمرارَ النبضِ في جغرافيا لا تعرفُ الهدوء.
وأما التفاهم الإيراني‑الأميركي، فظل خيطًا رفيعًا من قنوات غير مباشرة وصفقات محدودة؛ جسرٌ على ماء متحرك، يعبره من خفّ، ومن ثقل غرق.
إن أي تفاهم مع واشنطن هو كالعهدِ على الرمل؛ قد يثبتُ ساعةً، لكنه لا يصمدُ أمامَ موجِ المصالحِ المتغيرة.
لذلك، فإن إيران وحلفها لا يراهنون على هذه التفاهمات كضمان دائم، بل يعتبرونها فسحاتٍ تكتيكيةٍ في حربٍ استراتيجيةٍ طويلةِ الأمد.
لذا فإن إستراتيجية إيران وحلفها ليست في انتظار إنقاذ خارجي، بل في بناء قدرة ردع مرنة، وشبكة تحالفات لا تُساوم على الكرامة، ولغة دبلوماسية تفتح باب التفاوض دون أن تخلع باب البيت.
إن الردعَ الحقيقيّ لا يُبنى بالصواريخ فقط، بل بالإرادةِ التي لا تلين، والشعبِ الذي لا يخذل، والذاكرةِ التي لا تنسى.
وشبكةُ التحالفاتِ لا تُقاسُ بعددِ التواقيع، بل بعمقِ الثقةِ المشتركةِ في مواجهةِ الضغوطِ الخارجية.
فحين تُغلق واشنطن بابها، تفتح عُمان نافذة؛ وحين يعلو هدير السفن، يعلو صوت الناس: لا كرامة بلا شعب، ولا أمن بلا عدالة، ولا خليج بلا توازن.
إن الرسالةَ التي تُبعَثُ من طهران وحلفائها واضحةٌ: إن المنطقةَ لن تُحكمَ بعدَ اليومِ من عواصمَ بعيدةٍ لا تعرفُ ألمَ الجغرافيا، ولا ذاكرةَ التاريخ.
إن المستقبلَ يُبنى بأيدي من يملكون الصبرَ على الشدائد، والإيمانَ بأن الكرامةَ لا تُباع، والأمنَ لا يُستأجر، والخليجَ لا يُختزلُ إلى ساحةٍ لتجربةِ القوة.
في النهاية، يبقى السؤالُ الأكبر: هل سيتعلمُ الخليجُ من دروسِ التاريخ، أم سيُعيدُ أخطاءهُ مرةً أخرى؟
الجوابُ لا يكمنُ في تصريحاتِ السياسيين، بل في إرادةِ الشعوبِ التي ترفضُ أن تكونَ رهائنَ في صراعاتِ الآخرين.
فالشعبُ هو الأساس، والكرامةُ هي الهدف، والصمودُ هو الطريق.


