
ب✍️محمد الجوهري.
في لحظة تصدّع بوليصة التأمين المطلق، هنالك لحظات في تاريخ الإمبراطوريات لا تُقاس بضجيجها، بل بصمتها.
ليست الزلازل الكبرى تلك التي تُسمع دائماً، بل تلك التي تبدأ كشقٍّ صغير في جدارٍ ظنّه الجميع صلباً إلى الأبد.
وما جرى في ميشيغان، حيث فاز عبدول السيد بالإنتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي متجاوزاً خصمه المدعوم بعشرات ملايين الدولارات من التمويل الخارجي المرتبط بإيباك، متغلباً بنسبة إنفاق بلغت ضده أحد عشر إلى واحد، هو شقٌّ من هذا النوع الصامت العميق.
الإيمان الذي يشيخ، ككل نظام سياسي يبني حول نفسه ما يشبه العقيدة اللاهوتية: مسلّمة لا تُناقَش، خطاً أحمر لا يُقارَب.
لعقود، كان الدعم الأمريكي المطلق لإسرائيل من هذا الطراز؛ لم يكن موضوعاً للنقاش السياسي بقدر ما كان جزءاً من بنية الإيمان بالذات الأمريكية نفسها.
والعقائد هنا، مثل الأجساد، لا تموت دفعة واحدة.
بل تشيخ. تتكلّس مفاصلها. تفقد قدرتها على تجديد نفسها في وعي الأجيال الجديدة التي لم تعش لحظة التأسيس، ولا تحمل ديْنها العاطفي.
هذا ما يكشفه التبدّل الجيلي في استطلاعات الرأي: من بين الديمقراطيين تحت سن الخمسين، أصبح لدى 84% نظرة سلبية لإسرائيل، وفق مسح لمركز بيو للأبحاث، وانقلب تعاطف جيل الشباب الأمريكي بين 18 و34 عاماً من دعمٍ لإسرائيل بنسبة 59% في 2018، إلى تعاطفٍ مع الفلسطينيين بنسبة 53% اليوم. هذا ليس رأياً سياسياً عابراً، بل انقلاب في البنية الأخلاقية التي يُبنى عليها الحكم على العالم.
وحين تصبح البراءة كلفة سياسية، في المنطق الفلسفي القديم، كانت "المصلحة" و"الفضيلة" توأمين متلازمين في الخطاب السياسي المثالي؛ يُقال للناس إن ما هو نافع هو بالضرورة عادل.
لكن اللحظة التي تنكشف فيها الهوة بين المصلحة المُعلنة والفضيلة المُفترضة، هي اللحظة التي يبدأ فيها الإنهيار الأخلاقي للنظام القديم.
اليوم، حين ينظر الناخب الأمريكي الشاب إلى غزة عبر عدسة الحقوق الإنسانية المجردة، بلا الحمولة التاريخية للمحرقة ولا القداسة السياسية القديمة، فإنه يرى مشهداً لا يحتمل التبرير الأخلاقي.
والدعم غير المشروط، الذي كان يوماً فضيلة سياسية، بدأ يتحول إلى عبءٍ يُقاس بالدولار وبالصوت الإنتخابي على السواء.
وقد أعلنت "إيباك" نفسها إغلاق منصة التمويل عن الديمقراطيين الذين صوّتوا لإنهاء الدعم العسكري لإسرائيل، في اعترافٍ ضمنيّ بأن ولاء الحزب لم يعد مضموناً.
فالمشهد الأعمق فلسفيا للإمبراطورية التي تتحدث بلسانين هو أن واشنطن لم تعد "معبداً" بمعنى الوحدة العقائدية التي افترضها السؤال المطروح، بل أصبحت أشبه بمجمعٍ تتصارع فيه أصوات متعددة، لا صوتٌ واحد.
الديمقراطية الحقيقية، في جوهرها الفلسفي، هي دوماً هذا: تعددية تُقوّض الإجماعات القسرية، حتى تلك التي بدت يوماً فوق النقد. وما جرى في ميشيغان يشبه لحظة سقراطية بامتياز: شابٌّ من أصول مسلمة يقف في وجه "الرأي المشترك" ويسأل السؤال المحرَّم، فتتزعزع أركان الحكمة الموروثة لمجرد أن السؤال طُرح بصوتٍ عالٍ.
أما في الغفلة العربية عن أمريكا التي تتغيّر تكمن المفارقة الأمَرّ.
فالعقل السياسي العربي والإسلامي، في غالبه، ما زال يتعامل مع أمريكا بصورة متجمّدة من عام 1990 أو 2001: قوة أحادية، صمّاء، لا تتغيّر إلا بمنطق القوة العسكرية أو الإبتزاز الإقتصادي.
هذا العقل لم يستوعب بعد أن المعركة الحقيقية لم تعد تُخاض فقط في ساحات القتال أو غرف التفاوض الدبلوماسي، بل في الوعي الجيلي داخل الديمقراطيات الغربية نفسها، حيث يتغيّر الرأي العام ببطء ثم بسرعة، كما تتغيّر الأنهار الجليدية: غير مرئية للعين المستعجلة، حاسمة للعين الصبورة.
المفكر السياسي العربي، في مجمله، يرى أمريكا عبر عدسة المؤامرة الثابتة، لا عبر عدسة الصراع الداخلي المتحرك.
وهذا خطأ استراتيجي مضاعف: فهو يُفوّت لحظة تاريخية نادرة كان يمكن استثمارها خطابياً وإعلامياً وسياسياً، بينما يظل حبيس صورة "الشيطان الأكبر" الجامد، غير القابل للتفكك من الداخل.
ولكن الحقيقة الفلسفية الأعمق هي أن كل نظام قوة، أياً كانت صلابته الظاهرية، يحمل بذور تناقضه الداخلي؛ والديمقراطية الأمريكية، على عيوبها الجسيمة، لا تزال تحتفظ بآلية نادرة: قدرة الناخب على مساءلة قداسة الإجماع القديم عبر صندوق الإقتراع.
التصدّع هنا لا يعني السقوط،
بل يجب الحذر من غواية الإستنتاج المتسرّع بأن هذا يعني "نهاية" الدعم الأمريكي لإسرائيل.
فالبنى السياسية الكبرى لا تنهار بانتخابات تمهيدية واحدة، ولا بفارق أقل من نقطة واحدة في المئة كما حصل في ميشيغان.
ما يحدث هو أدقّ وأخطر من ذلك: هو بداية تصدّع في "بديهية" كانت تُعتبر فوق السياسة.
والتصدّعات، فلسفياً، أخطر من الإنهيارات المفاجئة، لأنها تعمل في الزمن الطويل، تتراكم جيلاً بعد جيل، حتى تصبح غير قابلة للترميم.
السؤال الفلسفي الحقيقي الذي ينبغي أن يُطرح على العقل العربي والإسلامي اليوم ليس "هل تغيرت أمريكا؟" بل: هل نحن مؤهلون فكرياً وسياسياً لفهم أمريكا كصيرورة متحولة لا كجوهر ثابت؟ فالغفلة عن هذا التحول ليست مجرد تقصير معرفي، بل هي استمرار في محاربة شبح الماضي بينما يتغيّر ميدان المعركة الحقيقي أمام أعين الغافلين.



