شاتيلا: كيف يمكن لإعادة إعمار بيروت والجنوب أن تبني اقتصادًا أقوى وبيئةً أكثر أمانًا ومستقبلًا أفضل؟

‏ب✍️ راشد شاتيلا.

عندما تنتهي الحروب، لا ينتهي أثرها بانتهاء العمليات العسكرية. فالدمار يترك وراءه أضرارًا في المنازل والمؤسسات والطرقات وشبكات المياه والكهرباء، إضافة إلى آثار اقتصادية واجتماعية وبيئية قد تستمر لسنوات. لذلك، يجب ألا تكون إعادة إعمار بيروت والجنوب مجرد إعادة بناء لما تهدّم، بل فرصة لبناء مناطق أكثر أمانًا وكفاءة واستدامة.

السؤال الحقيقي هو: كيف نحول الإعمار من عملية ترميم إلى مشروع اقتصادي واجتماعي وبيئي يبني مستقبلًا أفضل للبنان؟

في الجنوب، يجب أن تتجاوز إعادة الإعمار بناء المنازل إلى إعادة الحياة إلى القرى والبلدات. فعودة الأهالي تحتاج إلى مدارس ومراكز صحية وطرق وشبكات مياه وكهرباء، إضافة إلى دعم الزراعة والمؤسسات الصغيرة وفرص العمل. فالهدف ليس فقط إعادة الحجر، بل إعادة النشاط الاقتصادي والاجتماعي إلى المنطقة.

أما في بيروت، فيمكن أن تكون إعادة تأهيل المناطق المتضررة فرصة لتحسين التخطيط ، وزيادة المساحات الخضراء، وتطوير النقل والخدمات العامة، وتشجيع المباني الأكثر كفاءة في استهلاك الطاقة والمياه. فالمدينة  ليست فقط مدينة تحتوي على مبانٍ جديدة، بل مدينة توفر نوعية حياة أفضل لسكانها.

ومن الملفات الأساسية أيضًا إدارة مخلفات الهدم. فالركام يجب ألا يتحول إلى مشكلة بيئية جديدة. يمكن فرز الخرسانة والحديد والخشب وغيرها من المواد وإعادة تدوير ما يمكن استخدامه، وفق المعايير المناسبة. وهذا لا يحمي البيئة فقط، بل يمكن أن يخلق شركات جديدة وفرص عمل في مجال إعادة التدوير والاقتصاد الدائري.

كما يجب أن تكون حماية الصحة جزءًا من عملية الإعمار. ويمكن تعزيز مراقبة جودة الهواء والمياه والتربة في المناطق المتضررة بالتعاون بين الدولة والجامعات والبلديات والجهات المختصة، ونشر البيانات بصورة واضحة، حتى تكون القرارات البيئية مبنية على العلم.

وفي الجنوب تحديدًا، يجب أن تكون حماية الأراضي الزراعية والمياه جزءًا من خطة الإعمار. فدعم المزارعين، وتحسين شبكات الري، وتشجيع التقنيات الزراعية الحديثة والتصنيع الغذائي، يمكن أن يساعد في إعادة تنشيط الاقتصاد المحلي وتأمين مصادر دخل مستدامة.

ولا يمكن تحقيق ذلك من دون الاستثمار في الشباب. فمشاريع الطاقة الشمسية، وإدارة النفايات، وإعادة التدوير، وصيانة شبكات المياه، والبناء المستدام والزراعة الحديثة يمكن أن تتحول إلى برامج تدريب ومهن جديدة، بدل أن تبقى فرص العمل مرتبطة بمرحلة الإعمار المؤقتة فقط.

كذلك، يجب أن تكون العدالة الاجتماعية والشفافية أساسًا لأي خطة إعمار. فالأولوية يجب أن تراعي احتياجات المناطق والعائلات الأكثر تضررًا، مع ضمان وصول كبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة والأطفال إلى الخدمات والمرافق العامة. وفي الوقت نفسه، يجب نشر المعلومات حول المشاريع وتكاليفها ومراحل تنفيذها ونتائجها، مع رقابة واضحة وفق القوانين.

إن محدودية موارد لبنان تجعل حسن التخطيط أكثر أهمية. ولذلك يجب أن نقيس نجاح الإعمار ليس فقط بعدد الأبنية التي أعيد بناؤها، بل بعدد فرص العمل التي خلقت، وحجم مخلفات الهدم التي أُديرت بطريقة سليمة، وتحسن الخدمات والبيئة، وعودة النشاط الاقتصادي إلى المناطق المتضررة.

إن بيروت والجنوب لا يحتاجان فقط إلى إزالة آثار الحرب، بل إلى رؤية جديدة تجعل الإنسان في قلب الإعمار، وتحمي البيئة، وتخلق فرص العمل، وتعيد تنشيط الاقتصاد المحلي.

فالإعمار الحقيقي ليس أن نبني ما تهدّم فقط، بل أن نبني لبنانًا أكثر قدرة على الصمود، وأكثر عدلًا، وأكثر استعدادًا للمستقبل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى