
*المطران رحمة: الإمام الصدر نقلنا من «مواطنة الطائفة» إلى «مواطنة الوطن» وشكل حماية لأهل الدير والقاع وشليفا.*
*المفتي الرفاعي: المواطنة لدى الإمام الصدر شراكة قائمة على العدالة والجنوب هو قلب لبنان النابض وسياجه الأول.*
*المفتي عبدالله: قوة لبنان تكمن في وحدته الوطنية، والمسلمون والمسيحيون معاً لدفع التحديات لبناء الوطن والدفاع عنه.*
في رحاب شهر الإمام القائد السيد موسى الصدر أعاده الله ورفيقيه، نظمت حركة أمل ندوة ثقافية تحت عنوان «المواطنة في فكر الإمام السيد موسى الصدر»، وذلك في قاعة المحاضرات بثانوية الشيخ محمد يعقوب – الطيبة، بحضور علماء دين من مختلف الطوائف الروحية، النواب غازي زعيتر وملحم الحجيري، مسؤول اقليم البقاع في حركة أمل أسعد جعفر، الوزراء السابقون رئيس الجامعة الاسلامية في لبنان الدكتور حسن اللقيس والدكتور عباس مرتضى،النائب السابق محمد كامل الرفاعي، أعضاء قيادة اقليم البقاع، ممثلون عن المؤسسات الحكومية، ممثلون عن الاحزاب الوطنية، قضاة وامنيين، رؤساء اتحادات بلديات ورؤساء بلديات ومخاتير ، فعاليات تربوية واجتماعية ولجان اصلاح وكوادر حركية.
وأدار الندوة عضو قيادة إقليم البقاع ومدير الجامعة الإسلامية فرع بعلبك الدكتور أيمن زعيتر.
*المطران رحمة*
ألقى راعي أبرشية بعلبك ودير الأحمر للموارنة المطران حنا رحمة كلمةً مفصلة تناول فيها ركائز المواطنة والعيش المشترك في رؤية الإمام الصدر، مستهلاً كلمته بالتأكيد على أن الإمام الصدر وضع الإنسان في قلب المشروع الوطني وجعل من الدين قوة لبنائه لا أداة لتقسيمه.
وأكد المطران رحمة أن أهم ما يميّز الفكر الصدري هو سعيه لنقل اللبناني من "مواطنة الطائفة" إلى "مواطنة الوطن"، موضحاً أن التنوع الطائفي غنى وثروة، بينما "الطائفية" هي خطر الخوف والإلغاء. وأضاف: "المواطنة عند الإمام الصدر ليست بطاقة هوية، بل هي انتماء ومسؤولية وحقوق وواجبات وعدالة وأخوة، فالآخر المختلف معك في الدين أو المنطقة هو أخوك في الوطن".
وشدد رحمة على الربط الوثيق بين المواطنة والعدالة الاجتماعية عند الإمام الصدر، مؤكداً أن الحرمان ليس نقصاً في المال فحسب، بل هو تغييب لحقوق الإنسان في التعليم والصحة والكرامة، وأن أي منطقة أو إنسان محروم يُعدّ جرحاً في جسد الوطن أجمع. كما لفت إلى أن بناء دولة قادرة وعادلة تطبق القانون على الجميع هو الأساس للانتهاء من زمن الحصص والانتقال إلى دولة الحقوق والشراكة.
واستذكر المطران رحمة الموقف التاريخي المشهود للإمام الصدر إبان الفتنة اللبنانية لحماية السلم الأهلي، حيث رفض بجرأة وشجاعة أن يُمسّ أهل دير الأحمر والقاع وشليفا، متحدثاً عنهم بلمسة الأخ والأهل، ومثبتاً أن المواطنة لديه لم تكن مجرد شعارات، بل كانت موقفاً واستعداداً لحماية الآخر وقت الخطر.
وختم المطران رحمة داعياً إلى تمثل أمانة الإمام الصدر بالقول: "لتكن المواطنة عهداً نعيشه لا شعاراً نرفعه… وأن نختلف في الدين والهوية، ونتفق في الإنسان والوطن؛ فالمواطنة لا تلغي التنوع، بل تحوله إلى شراكة".
*المفتي الرفاعي*
من جهته، ألقى سماحة مفتي بعلبك الهرمل الدكتور الشيخ بكر الرفاعي كلمةً تناول فيها الركائز الفكرية والروحية والوطنية التي أرساها الإمام الصدر، مشيراً إلى أن الإمام أسس لمفهوم المواطنة الحاضنة للتنوع، حيث لا تلغي المواطنة الهويات ولا تتصارع فيها الخصوصيات، بل تقوم على الشراكة الحقيقية ورفع الحرمان؛ إذ لا استقرار يكتمل إذا كان أي جزء من الوطن يشعر بالضيم والتهميش، سواء في بعلبك والهرمل أو الجنوب أو عكار وطرابلس.
وأكد المفتي الرفاعي أن الكرامة الإنسانية هي غاية الدين، وخدمة الإنسان هي جوهر عبادة الله، لافتاً إلى أن الوحدة الوطنية فريضة دينية ومصلحة وجودية، وأن الوطن المشترك ميثاق وعهد أخلاقي وإنساني يشبه ميثاق وثيقة المدينة التي أسست للمواطنة والتعايش السلمي. وأضاف أن الطوائف نوافذ حضارية على الإيمان والقيم، في حين أن الطائفية السياسية والتعصب هما العدو الأول لجوهر الدين والحقيقة الوطنية.
كما أضاء الرفاعي على حرص الإمام الصدر على توحيد المناسبات الدينية والتنقل بين المساجد والكنائس والحسينيات لبناء وعي مشترك ومد الجسور لتعزيز "الهوية المركبة" الجامعة التي تحمي الجميع، مشدداً على أن الهوية الصافية المغلقة فيها موت للجميع.
وفيما يخص القضية الجنوبية، شدد المفتي الرفاعي على أن الجنوب كان محوراً مركزياً في حركة الإمام الصدر وإيمانه، فالجنوب ليس مجرد نقطة جغرافية، بل هو قلب لبنان النابض وسياجه الأول وعنوان هويته الوطنية وصموده في وجه العدو الإسرائيلي. وختم مؤكداً: "الجنوب القوي هو الضمانة لاستقلال لبنان وكرامته ووجوده كدولة حرة ذات سيادة، والمواجهة مع العدو مواجهة مفتوحة ودائمة حتى تحقيق النصر والصلاة في المسجد الأقصى المبارك".
*المفتي عبدالله*
اختُتمت الندوة بكلمة ألقاها سماحة المفتي القاضي الشيخ حسن عبدالله، استهلها بالدعوة إلى الاستلهام من رؤية الإمام المغيب السيد موسى الصدر في ظل الظروف الصعبة والاضطرابات التي يعيشها لبنان جراء الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة والاضطراب في الرؤية الوطنية الجامعة.
وأشار الشيخ عبدالله إلى أن الندوة تقوم على ثلاث ركائز أساسية: الإمام الصدر، والوطن، والمواطن. وفي الركيزة الأولى، أكد أن الإمام الصدر شكل استثناءً ورؤية متفردة في زمن حكمته العصبيات المذهبية والقومية التي كادت تحول لبنان من كيان إلى فتات وأوطان متعددة، فأراد له الإمام أن يكون وطناً واحداً نهائياً لجميع أبنائه.
وفي الحديث عن الوطن، شدد على أن مساحة لبنان البالغة (10452) كم² هي ملك لجميع أبنائه، موضحاً أن الإمام الصدر نظر للوطن بمنظار سداسي الأبعاد يمتد من تخوم الأرض إلى عين السماء، حيث السيادة الوطنية الكاملة. ورفض عبدالله كل الطروحات المنادية بتجزئة الوطن أو حصر المناطق بفئات معينة، مؤكداً أن الجنوب للشماليين والبقاعيين كما أن الشمال والبيارتة يتشاركون الجنوب، فالوطن وحدة لا تتجزأ.
أما عن المواطن، فقد لفت إلى أن الإنسان يولد في بيئته دون اختيار لمنطقته أو أهله، وكان يجب أن يبني رؤيته على التعددية والتكيف، إلا أن المجتمع اللبناني أُقحم في عناوين طائفية ومذهبية تحكمت في التوظيف والخدمات والعلاقات. وقال إن الإمام الصدر جاء ليرسخ مبدأ الانتقال باللبنانيين من "الطائفية" إلى "الطوائف" كغنى وتنوع، متصدياً لمن احتكروا الدفاع عن الطوائف لمصالحهم الشخصية.
وشدد الشيخ عبدالله على تلازم الحقوق والواجبات، فبقدر ما يطالب المواطن الدولة بالطبابة والتعليم والأمن والعدالة الاجتماعية، بقدر ما ينبغي عليه الالتزام بالقوانين ومقتضيات العيش المشترك. كما دعا إلى اعتماد معياري "الكفاءة والأمانة" في إدارة شؤون الدولة ومكافحة الفساد وتجاوز المحاصصة الطائفية.
وفي ختام كلمته، شدد سماحته على أن الوحدة الوطنية هي حجر الزواية ومصدر القوة الرئيسي للبنان في مواجهة التحديات والاعتداءات الإسرائيلية، مشيراً إلى أن قوة الرئاسة والحكومة والجيش والمقاومة كلها تنبع من هذه الوحدة. وختم بالقول: "إن هذه الرؤية الصدرية للعيش المشترك هي التي تجمعنا اليوم مسلمين ومسيحيين معاً لبناء لبنان، والحفاظ عليه، والدفاع عن كرامته وسيادته".











