‏علي الطاهر: حين تصير التلة مرآة للحقيقة

‏ب✍️محمد الجوهري ناشط وكاتب سياسي.

‌‏اليوم في الثالث من سبتمبر، أعلنت إسرائيل أنها سيطرت على تلة في جنوب لبنان. تلة تُسمّى "علي الطاهر"، نسبة إلى رجل دين ضريحه على القمة، وشاهد على أن المكان ليس مجرد إحداثيات جغرافية، بل ذاكرة تُورَّث، وأرض تحمل أسماء الأولياء والصالحين.

‏لكن ما حدث اليوم لم يكن مجرد عملية عسكرية. كان شيئاً أعمق: محاولة لكتابة رواية جديدة على جسد الأرض، رواية تقول: هنا انتصرنا، هنا فرضنا واقعاً، هنا انتهت المقاومة.

‏غير أن الحقيقة، كما يعلم الفلاسفة منذ هيراقليطس، لا تُختزل في لحظة.

‏ هي نهر يجري، وسردية تتعدّد، وصراع بين من يملك السلاح ومن يملك الرواية.

‏الجيش الإسرائيلي أعلن سيطرة عملياتية فوق الأرض وتحتها. تطهير مسارَين تحت الأرض. غرف عمليات. أنفاق. بنية تحتية بُنيت على مدى عشرين عاماً. لكن المتحدثة بإسم الجيش لم تقل استراتيجية. لم تقل حسم. لم تقل نهاية المعركة.

‏قالت: منطقة أمنية. نقطة تركيز عملياتي. واقع أمني جديد. مفردات دقيقة. مفردات من يعرف أن التلة تكتيكية، لكنه يحتاجها استراتيجية في الخطاب.

‏لماذا هذا التضخيم؟ لأن نتنياهو، في خريف 2026، يحتاج إلى نصر. ليس نصراً حقيقياً بالضرورة، بل نصراً يُروى. نصراً يُبث في نشرات الأخبار المسائية، ويُطبَع في صفحات الصحف، ويُردَّد في مقاهي تل أبيب والقدس. بعد حرب إيران. بعد غزة. بعد اقتصاد يئن تحت وطأة الحرب.

‏ يحتاج رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى صورة تقول: الجيش ينجز. الحكومة تحمي. العدو ينهار. فإذا لم يكن هناك نصر حقيقي، صُنِع نصر دعائي. وإذا لم يكن هناك موقع استراتيجي، صُيِّغ موقع تكتيكي بلغة الإستراتيجيا. هكذا تصير التلة رمزاً. وهكذا يصير الإحتلال فرض واقع. وهكذا يصير الحصار إنجازاً عملياتياً.

‏لكن هناك ما لا يقوله الإعلان. صحيفة معاريف نقلت عن مصدر عسكري إسرائيلي قوله: لا توجد قوات للحرس الثوري في علي الطاهر. بعض مقاتلي حزب الله ماتوا جوعاً وعطشاً بسبب الحصار. إذاً، لا يوجد قادة إيرانيون. لا يوجد سلاح نووي. لا يوجد تهديد إقليمي. هناك موقع تكتيكي. هناك أنفاق. هناك مقاتلون صامدون. ولكن كيف تُبرَّر العملية إذا لم تكن استراتيجية؟ كيف تُباع للجمهور الإسرائيلي إذا لم تكن حسماً؟ هنا تأتي الرواية.

‏التلة ترتفع ستمائة متر. تطل على وديان وطرق. تمنح ميزة مراقبة. هذه حقيقة جغرافية. لكن الجغرافيا لا تصنع الحرب. السردية تصنعها. من يملك الرواية يملك الحرب، حتى لو خسر المعركة. ومن يخسر الرواية يخسر الحرب، حتى لو ربح المعركة. إسرائيل تعرف هذا. لذلك تستثمر في التضخيم الإعلامي أكثر من استثمارها في القيمة العسكرية. لذلك تصير التلة انتصاراً في الخطاب، وموقعاً تكتيكياً في التقرير العسكري.

‏هنا تقف المقاومة بالرواية المضادة. حزب الله لم يعترف بالسقوط. لم يقل انسحبنا. لم يقل هُزمنا. قال: مقاتلونا ما زالوا يسيطرون. مستعدون للمواجهة. المنشأة جزء من معادلة الردع. هذه ليست مجرد نفي. هذه رواية مضادة. رواية تقول: الأرض لم تُستسلم. الرواية لم تُكتب بعد. المعركة مستمرة. في فلسفة المقاومة، الأرض ليست مجرد تراب. هي شاهد. هي ذاكرة. هي وعد. ومن يترك الأرض، لا يترك مجرد موقع. يترك رواية. لذلك ترفض المقاومة الإعتراف بالسقوط، حتى لو كان الواقع الميداني مختلفاً. لأن الإعتراف ليس مجرد إقرار عسكري. هو استسلام سردي.

‏مكتب إعلام حزب الله وصف العملية بخرق كبير لاتفاق إسلام آباد. لم يؤكد رسالة إيران إلى واشنطن، لكنه وصفها بالنتيجة الطبيعية. هنا تتحول التلة من موقع تكتيكي إلى ورقة دبلوماسية. من هدف عسكري إلى اختبار دولي. الرسالة واضحة: إذا توسعت إسرائيل، توسعت الحرب. إذا خُرِق الإتفاق، عادت المعركة الشاملة. هكذا تصير التلة خطاً أحمر. ليس لأن قيمتها العسكرية حاسمة، بل لأن قيمتها الرمزية كذلك.

‏إعلام المقاومة لا يتحدث عن احتلال. يتحدث عن حصار. عن جعل الموقع غير قابل للعيش. عن قصف متواصل. هذه مفردات من يعرف أن العدو لا يريد الأرض بقدر ما يريد إخلاءها. لا يريد البقاء بقدر ما يريد الإخضاع. لذلك تصير الرواية: نحن صامدون. هم يحاصرون. المعركة أخلاقية قبل أن تكون عسكرية.

‏أواخر أكتوبر 2026، إسرائيل على موعد مع انتخابات. هذه الإنتخابات لن تُحكَم بتلة في جنوب لبنان. ستُحكَم بنتائج الحرب مع إيران. بملف غزة. بالإقتصاد الإسرائيلي. بوحدة الحكومة. علي الطاهر فصل صغير في رواية أكبر. نصر دعائي يحتاج إلى نصراً آخر ليتراكم: إيران، غزة، لبنان. نتنياهو يحتاج إلى روايات نصر متعددة، لا إلى حدث معزول. يحتاج إلى مزاج عام، لا إلى نتيجة حاسمة. لذلك تصير التلة أداة تشكيل يومي، لا عاملاً محدداً للإنتخابات.

‏هنا تكمن المفارقة الفلسفية: إسرائيل تعلن سيطرة عملياتية. المحللون يقولون موقع تكتيكي. الإعلام يصفه انتصار استراتيجي. حزب الله يقول السيطرة بيدنا. الواقع الميداني قد يقول غير ذلك. لكن الرواية تُكتَب قبل الواقع. من يملك الرواية يملك الحقيقة، حتى لو كانت الحقيقة مختلفة. هذا ما يعلمه الفيلسوف الفرنسي جان بودريار حين تحدث عن محاكاة الواقع: الصورة تصير أكثر حقيقة من الواقع نفسه. في عصر الإعلام، التلة ليست تلة. هي صورة التلة. هي رواية التلة. هي ما يُقال عنها.

‏في النهاية، علي الطاهر ليست مجرد موقع على الخريطة. هي مرآة تُعكس فيها حقائق أعمق. مرآة الحاجة الإسرائيلية إلى نصر: نتنياهو يحتاج إلى رواية انتصار، حتى لو كان الانتصار تكتيكياً. مرآة صمود المقاومة: حزب الله يرفض الإعتراف بالسقوط، لأن الإعتراف استسلام سردي قبل أن يكون عسكرياً. مرآة الفجوة بين الخطاب والواقع: ما يُعلَن ليس ما يحدث. ما يُروى ليس ما يكون. مرآة العصر: في زمن الإعلام، الرواية تصير حقيقة، والصورة تصير واقعاً.

‏التلة ستُكتَب عنها صفحات. ستُروى عنها قصص. ستُستخدم في خطب انتخابية وفي بيانات مقاومة. لكن الحقيقة الأعمق تبقى: الأرض تشهد. والذاكرة تُورَّث. والرواية، في النهاية، لمن يصمد فيها.

‏يسأل الفيلسوف: ما الحقيقة؟ في علي الطاهر، الحقيقة متعددة. حقيقة الجيش الإسرائيلي: سيطرة عملياتية، موقع تكتيكي، إنجاز دعائي. حقيقة حزب الله: صمود، رفض للإستسلام، معادلة ردع. حقيقة المحللين: تضخيم إعلامي، حاجة انتخابية، فجوة بين الخطاب والواقع. حقيقة الأرض: التلة باقية. الضريح باقٍ. الذاكرة باقية.

‏من يملك الحقيقة؟ ربما لا يملكها أحد. ربما الحقيقة نهر يجري، وكل يلتقط منه جرعة. لكن هناك حقيقة واحدة لا تُختزل: المقاومة لا تُهزم بالسيطرة على التلال. تُهزم بالإستسلام للرواية. وحزب الله، حتى في أصعب اللحظات، يرفض أن يستسلم.

‏والأرض، في النهاية، تشهد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى