‏حين تستيقظ الجغرافيا

ب✍️محمد الجوهري.

ناشط وكاتب سياسي.

‏ليست الحروب دائمًا صراعًا بين جيوشٍ متقابلة، ولا تُحسم دائمًا في عواصم الإمبراطوريات أو تحت أضواء المؤتمرات الدولية.

‏ أحيانًا يكفي أن تستيقظ جزيرة صغيرة في البحر، وأن تعود إلى ذاكرتها، كي يكتشف العالم أن الخرائط التي رسمها الأقوياء ليست أبدية، وأن الممرات التي اعتادوها مفتوحة قد تتحول في لحظة إلى أبوابٍ موصدة.

‏باب المندب ليس مجرد مضيق بين ضفتين. إنّه درسٌ جغرافيّ قاسٍ في هشاشة القوة.

‏ فالدول التي تملك الطائرات والأساطيل والقواعد الممتدة من الخليج إلى القرن الإفريقي، قد تكتشف فجأة أن كل هذا الإمتداد يضيق أمام ميلين من الماء، وأن سفنًا تحمل نفط العالم وتجاراته وأوهامه يمكن أن تصبح رهينة نقطة صغيرة لا تساوي في نظر الخرائط سوى بقعةٍ من صخرٍ وبركان.

‏حين يتحول البحر إلى عنق، تصبح الجزيرة يدًا. وحين تقع اليد في موضعها الصحيح، تستطيع أن تمسك بخيط السفن الكبرى.

‏ تلك هي فلسفة الجغرافيا التي لا يفهمها من اعتاد أن يقيس القوة بعدد الطائرات وحدها: ليست القوة في أن تمتلك العالم، بل في أن تعرف أين يمسك العالم أنفاسه.

‏ما يجري في الساحل الغربي لليمن، إن تأكدت نتائجه واستمرّت تداعياته، لا يقتصر على تقدم ميداني في المخا أو على ضغطٍ متصاعد باتجاه جزر البحر الأحمر. الحوثيون أعلنوا وخصومهم أقرّوا بسقوط المخا بيدهم، فيما تتحدث مصادر ميدانية عن هجمات على جزر حنيش وتراجع لقوات موالية للحكومة نحو ذُباب المقابلة لجزيرة بريم/ميون؛ أما السيطرة الكاملة على بريم نفسها فما زالت احتمالًا عسكريًا قوياً.

‏لكن حتى الإحتمال، في السياسة، قد يكون قوة. فليس مطلوبًا دائمًا أن تُغلق المضيق كي تغيّر المعادلة؛ يكفي أن تجعل الإغلاق ممكنًا، وأن تجعل السفينة تبحر وهي تعرف أن وراء الأفق عينًا تستطيع أن تحوّل الرحلة من تجارةٍ إلى مخاطرة.

‏هنا تبدأ القوة لا بوصفها إطلاقًا للنار، بل بوصفها إدخالًا للخوف إلى حسابات الخصم.

‏لقد بُني جزء كبير من النظام الإقليمي على فكرة أن اليمن بلدٌ بعيد، فقير، ممزق، يصلح لأن يكون هامشًا لحروب الآخرين لا لاعبًا فيها.

‏أُريد له أن يبقى جغرافيا متعبة، تستهلكها الإنقسامات والجوع والحصار، كي يبقى الخليج مطمئنًا إلى أن خاصرته الجنوبية ساكنة، وكي يبقى البحر الأحمر طريقًا آمنًا تمر فيه المصالح من غير أن تسأل عن دم الناس على ضفتيه.

‏لكن التاريخ يحب مفارقاته الثقيلة.

‏فمن المكان الذي اعتُبر طويلًا موضع عجز، قد تخرج منه قدرةٌ على تعطيل قلب الإقتصاد العالمي.

‏ومن شعبٍ أُريد له أن يظل تابعًا للوصاية يعيش على المساعدات، قد يظهر فاعلٌ يفرض نفسه على خرائط الأمن والملاحة والطاقة. لا لأن الحرب جميلة، ولا لأن إغلاق البحر بطولة في ذاته، بل لأن العالم لا يصغي إلى المظلومين غالبًا إلا حين تصبح جراحهم قادرةً على إرباك مصالحه.

‏بريم ليست في ذاتها مركز العالم، ولكنها تكشف أن العالم الذي يتحدث عن حرية الملاحة لا يحب هذه الحرية إلا عندما تمر سفنه هو. ففي المضائق لا تسكن التجارة وحدها؛ تسكن الهيمنة أيضًا.

‏من يملك هرمز أو يهدده، يضع يده على شريان الطاقة. ومن يقترب من باب المندب، يلامس شريان التجارة بين آسيا وأوروبا. وحين تُربط الجغرافيا اليمنية بحسابات الخليج وإيران والولايات المتحدة والقرن الإفريقي، يصبح البحر الأحمر أقل شبهًا ببحر، وأكثر شبهًا برقعة شطرنج واسعة تتحرك فيها القوى الكبرى، فيما يدفع سكان السواحل دائمًا كلفة اللعبة.

‏إن الخطأ الأكبر الذي تقع فيه القوى المتعالية ليس في استعمال القوة، بل في الإعتقاد أن القوة تُنتج طاعةً دائمة. فالحصار قد يجوع الناس، لكنه لا يمحو ذاكرتهم. والحرب قد تفتت المدن، لكنها لا تمحو الموقع الذي يسكنه الناس. والهيمنة قد تؤجل الصراع، لكنها لا تلغيه. ثم تأتي لحظةٌ تعود فيها الجغرافيا لتطالب بثمن ما جرى فوقها: جزرٌ صامتة، موانئ قديمة، جبال قاحلة، وقبائل أو جماعات لا تملك رفاهية الهزيمة لأنها عاشت طويلًا خارج حماية العالم.

‏اليمن ليس هامشًا، وليس المطلوب أن نرسم أسطورة جديدة عن اليمن، ولا أن نستبدل تضخيمًا بتضخيم، أو أن نعلن «انقلابًا كاملًا» في الشرق الأوسط قبل أن تستقر الوقائع. فالمعركة مفتوحة ولم تنتهِ بعد.

‏لكن المطلوب أن نرى ما هو أعمق من الحدث: أن اليمن لم يعد تفصيلًا في نشرات الأخبار، وأنه لا يمكن لأي قوة إقليمية أن تتعامل معه كبلدٍ قابل للإدارة عن بعد. فكلما حاولت القوى أن تجعل اليمن مجرد ساحة نفوذ، أعادت الجغرافيا إنتاجه بوصفه عقدة نفوذ. وكلما حُوصر على أنه بلد فقير، ظهرت أهميته بوصفه بلدًا يجاور أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم.

‏ربما لا يستطيع طرف واحد أن يحكم البحر الأحمر، كما لا تستطيع دولة أن تحتكر مصير مضيق إلى الأبد. لكن مجرد تحوّل المضيق إلى ساحة صراع يكفي لفضح هشاشة منظومة كاملة بُنيت على افتراض الإستقرار الدائم.

‏وهذه هي المفارقة: القوى الكبرى تملك من السلاح ما يكفي لإشعال البحر، لكنها لا تملك من الحكمة ما يكفي لإبقائه آمنًا.

‏في النهاية، ليست المسألة أن الحوثيين صاروا قوةً خارقة، ولا أن السعودية صارت عاجزة، ولا أن إيران أحكمت يدها على كل مفاتيح المنطقة. هذه عناوين يبالغ فيها الخطاب حين يريد أن يحتفل أو يندب. المسألة أن الشرق الأوسط دخل زمنًا جديدًا: زمن لا تعود فيه الثروة ضمانًا مطلقًا، ولا القواعد الأجنبية حصنًا أكيدًا، ولا السفن الكبيرة دليلًا على أن البحر ملك أصحابها.

‏فالخطر الحقيقي على من يراهن على القوة وحدها ليس أن يخسر معركةً عند المخا، بل أن يكتشف متأخرًا أن الذي أضعفه سنواتٍ، وتركه في العزلة والجوع، كان يقف أصلًا عند باب العالم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى