‏بين “البيجر” والغاز… حين يُقتل القانون قبل أن يُقتل الجسد

ب✍️ محمد الجوهري

ناشط وكاتب سياسي

‏في لحظة ما من التاريخ، توهّم البشر أنهم رَوَّضوا الحرب.

صاغوا لها حدوداً في لاهاي، ورسموا لها سقفاً أخلاقياً في جنيف، وأقاموا لها محكمة في روما تُذكّر الطغاة بأن للدم ثمناً.

لكن ما جرى في لبنان بين انفجار "البيجر" بين أيدي حامليه، وصولاً إلى المؤشرات الميدانية المقلقة حول إطلاق غازات وسامة وحارقة في تلة "علي الطاهر" بجنوب لبنان، لم يكن خرقاً عابراً لتلك الحدود، بل كان إعلاناً هادئاً – بلا بيان ولا مؤتمر صحفي – عن نهاية عصر قانوني بأكمله.

لم تُقتل الضحايا وحدها في تلك اللحظات؛ بل قُتلت معها فكرة أن للحرب ضميراً.

‏أولاً: حين يتحول جهازك اليومي إلى حكم إعدام مؤجل ‏فثمة فارق جوهري بين أن يُقتل المرء في ساحة معركة يعرف أنه دخلها، وبين أن يُقتل وهو يمد يده نحو جهاز اتصال في جيبه، غافلاً عن أنه يحمل موته بين أصابعه. هذا الفارق هو بالضبط ما تُجرّمه "اتفاقية لاهاي" لعام 1907 حين تحظر في مادتها 23 "الغدر" وسيلةً للقتل، وما يُصنّفه "نظام روما الأساسي" في مادته الثامنة جريمة حرب موصوفة، هجوم يُشن عمداً، عالماً بأنه سيحصد أرواحاً مدنية تتجاوز أي "ميزة عسكرية" يمكن تبريرها.

‏فحين حوّل جهاز استخباراتي آلاف الأجهزة اللاسلكية الإستهلاكية إلى كمائن متفجرة تنفجر في الأسواق والمستشفيات وبيوت المدنيين، لم يكن ذلك ابتكاراً تقنياً يُحتفى به في نشرات الأخبار، بل كان انقلاباً على مبدأين يشكلان جوهر القانون الدولي الإنساني: "مبدأ التمييز" الذي يفصل بين المقاتل والمدني، و"مبدأ التناسب" الذي يمنع أن يُدفع ثمن باهظ من الدم مقابل هدف عسكري هزيل.

نعم لقد سقط المبدآن معاً في الثانية التي انفجر فيها أول جهاز.

‏ثانياً: حين يعود الفسفور والغاز إلى ساحة قيل إنها ودّعتهما إلى الأبد..

‏لم يكتفِ هذا الإنحدار بالتكنولوجيا المدمجة؛ بل امتد ميدانياً إلى الجبهة الأمامية وتحديداً في محيط تلة "علي الطاهر" الإستراتيجية بالنبطية، حيث تشير المؤشرات إلى استخدام مواد كيميائية وغازات سامة وخانقة ضد التحصينات والأنفاق الميدانية، في مخالفة مباشرة لـ

*"بروتوكول جنيف لعام 1925"* و

*"اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية" (CWC)*.

‏تُجرم المادة 8 من نظام روما الأساسي استخدام "الغازات الخانقة أو السامة أو غيرها من الغازات وجميع ما في حكمها من السوائل أو المواد أو الأجهزة"، وتعتبرها جريمة حرب لا تسقط بالتقادم، لا بمرور السنين ولا بازدحام العالم بأخبار حروب أخرى.

‏كما أن الإستخدام الموثق لمادة الفسفور الأبيض بتركيزات حارقة في مناطق مأهولة أو ضد تحصينات دفاعية يُخالف البروتوكول الثالث لإتفاقية الأسلحة التقليدية المعنية، حيث تسببت هذه المواد في إحداث "آلام مبرحة ومعاناة لا مبرر لها"، وهو المبدأ الأساسي الذي تمنعه اتفاقيات لاهاي أصلاً لكبح وحشية الحروب.

‏ثالثاً: العالم الذي يصمت، والدولة التي تتلعثم ثم توقّع.

فرغم حجم الكارثة الإنسانية والخرق الفاضح لهذه المواثيق، فقد جاءت ردود الفعل السياسية لتكرس واقعاً مرعباً على مستويين متلازمين:

‏أ- الصمت الدولي وسياسة الإفلات من العقاب ،فاكتفت المنظمات الأممية الكبرى بإصدار بيانات قلق عامة، في حين مارست القوى العظمى ضغوطاً لتعطيل أي تحقيق شفاف وصارم بموجب "نظام روما"، مما جعل هذه الهيئات تبدو وكأنها توفر مظلة حماية دولية لإفلات الجناة من العقاب.

‏هذا الصمت الممنهج يُشرعن نمطاً جديداً من الحروب يهدد الأمن السلمي العالمي.

‏ب- الشلل السياسي اللبناني والعجز عن "الولاية القضائية": فعلى الصعيد المحلي، اتسم الموقف الرسمي اللبناني بالإرتباك والعجز عن صياغة استراتيجية قانونية هجومية.

‏ورغم تحرك وزارة الصحة الإنسانية، فشلت الدولة اللبنانية في استغلال الآليات الدولية المتاحة، كتقديم شكاوى مدعمة بالتوثيق الجنائي الفني إلى مجلس الأمن، أو طلب تفعيل آليات التحقيق الخاصة بالأمم المتحدة.

هذا التردد ينبع من الإنقسام العمودي المزمن والخوف من التوازنات السياسية، مما جعل السيادة اللبنانية مستباحة تكنولوجياً وعسكرياً  عن المبادرة، بل مضت خطوة أبعد نحو تكبيل يدها بيدها: ففي 26 يونيو 2026، وقّع لبنان في واشنطن، برعاية أميركية، *"اتفاق الإطار"* المؤلف من أربعة عشر بنداً مع إسرائيل، وتضمّن هذا الإتفاق في بنده الثالث عشر تعهداً متبادلاً بالإمتناع عن اللجوء إلى "الأعمال العدائية أو الضارة" في المحافل السياسية والقانونية الدولية.

وبصرف النظر عن الجدل القانوني حول الطبيعة غير الملزمة لهذا الإتفاق، فإن الدلالة الرمزية للبند تبقى فادحة: دولة ضحية تُقايض حقها – وحق ضحاياها – في طلب العدالة، بوعد انسحاب مؤجل لا جدول زمنياً محدداً له.

‏وهكذا يجتمع العجز البنيوي مع التنازل الطوعي ليُغلقا معاً الباب الذي كان يفترض أن يُطرق بقوة أمام كل محفل دولي مختص.

‏وحين يتلاشى "العقد" ويعود "الغاب" يذكّرنا هذا المشهد بما تخيّله الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز قبل أربعة قرون: أن البشر، في "حالة الطبيعة" التي تسبق القانون، يعيشون في حرب الكل ضد الكل، حيث لا سلطة تردع، ولا معيار يُحتكم إليه سوى القوة العارية.

‏ولم يخرج الإنسان من تلك الحالة، بحسب هوبز، إلا حين قبل أن يتنازل عن جزء من حريته المطلقة لصالح "عقد" جماعي يضمن له الأمن مقابل الإنصياع لقانون فوق الجميع.

القانون الدولي الإنساني، من لاهاي إلى روما، لم يكن إلا محاولة لعقد شبيه على مستوى الأمم، عقد يقول إن الحرب، مهما استعرت، تبقى محكومة بحدود لا تُمس. لكن حين تُخترق تلك الحدود بلا حساب، وحين يتحول الصمت الدولي إلى غطاء بدل أن يكون رادعاً، وحين توقّع الضحية بيدها على تنازلها عن حقها في المطالبة، فإن العالم لا يعود فقط إلى ما قبل نظام روما؛ إنه يعود، كما تنبأ هوبز، إلى "حالة الطبيعة" ذاتها، حيث القوة وحدها تصنع الحق، وحيث لا فرق بين جهاز اتصال وسلاح، ولا بين تلة عسكرية وقرية آمنة.

‏وأخيراً فإن التغاضي عن جريمة "البيجر" واستخدام الغازات السامة في "علي الطاهر" ليس مجرد هزيمة سياسية لخصوم إسرائيل، بل هو انهيار مدوٍ للمنظومة القانونية التي تلت الحرب العالمية الثانية.

وإذا حُيدت اتفاقيات لاهاي وجُمد نظام روما الأساسي بفعل الصمت والتواطؤ، وإذا تحولت الضحية نفسها إلى موقّع على تنازلها، فإن الحروب القادمة سوف لن تعرف محرمات، وستتحول التكنولوجيا الإستهلاكية وسلاسل الإمداد العالمية إلى حقول ألغام شرعية بموجب الأمر الواقع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى