
ما يستوقف الانتباه هو هذا التوجه الأميركي نحو ايران والذي ينطوي على ’’معادلة متناقضة‘‘ من جهة وسطاء يتحركون باتجاه طهران بايعاز أميركي. ومن جهة أخرى ’’رسائل عسكرية‘‘ بحشد بحري وجوي ونقل أسلحة متطورة إلى قواعد أميركية مستحدثة في اسرائيل مصحوبة بتصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترامب مستفزة للايرانيين وذاكرتهم من نوع توصيف قائد فيلق القدس الراحل اللواء قاسم سليماني بـ’’العبقري الشرير الذي قتلناه‘‘.
هذه ’’المعادلة المتناقضة‘‘ تندرج في كون أسلوب الرئيس دونالد ترامب هو خارج ’’المنهج التقليدي‘‘ وبالتالي يصعب قراءته وفهمه. وهو أسلوب ’’الشيء ونقيضه‘‘ والذي ينتج ’’غموضا‘‘ وفتح الباب على احتمالات متعددة في الآن نفسه ما يتيح له ’’خياراته المفتوحة‘‘. إنما ايران تتعامل مع أسلوب الرئيس ترامب بـ’’خيارات مفتوحة‘‘ بدورها ما يخلق إرباكا في الدائرة المحيطة بسيد البيت الأبيض. ففي الوقت الذي يستعجل فيه الرئيس ترامب النتائج تعطي طهران الوقت للوقت بتمهّل مقصود ومدروس بعد أن حددت بوضوح ’’بورصة الأهداف الأميركية‘‘ من الحرب وربطت بين الخيارات المتاحة.
أحد الباحثين العائد من موسكو والذي التقى بمستشار للرئيس فلاديمير بوتين والذي كان سابقا ديبلوماسيا في لبنان قال لي: ’’في التقدير الروسي الرئيس الأميركي دونالد ترامب يسعى إلى الخروج من الحرب مع ايران‘‘. وأحد ’’مداخل الخروج‘‘ الرئيسية تدور حول التفاوض المالي ورفع جزء من العقوبات. وهنا الدور القطري بالذات وبتكليف أميركي. فمستشار رئيس الوزراء القطري ووزير الخارجية ماجد بن محمد الأنصاري الذي زار طهران والتقى بالمسؤولين الايرانيين هذه هي مهمته الأميركية. أما صاحب ’’مهمة الحل‘‘ فهو الرئيس فلاديمير بوتين الذي يربط بين مخارج الحربين الأميركية-الايرانية والروسية-الاوكرانية والذي يوفّر حاليا حاجات الولايات المتحدة الأميركية إلى النفط والديزل. وكلمته ستكون مسموعة من الطرفين الأميركي والايراني. ذلك أنه مفتاح الحل في مضيق هرمز والبرنامج النووي.
وفي المعلومات الروسية أن الوضع لن يكون مريحا في سوريا خلال المرحلة القادمة وأنه على لبنان أن يتدارك الانعكاسات السلبية السورية عليه وأن ينتبه إلى المخاطر الاسرائيلية واحتمالات عسكرية اسرائيلية تستهدفه وإلى مواجهات مع حزب الله.
لكن الدور المرتقب للرئيس الروسي فلاديمير بوتين في إيجاد "مخارج الحروب" وبنوع من التوافق الأميركي-الروسي وبمشاركة من الصين يفترض أن ينوّع لبنان في شبكات أمانه الدولية وأن يكون من بين خياراته "شبكة الأمان الروسية". فما يجمع بين لبنان وروسيا هو ظاهرة التعددية وأخطار التطرف الديني. كما الدور الروسي المرتقب في اقليم الساحل السوري وتفعيل مكانة الروم الأرثوذكس في سوريا ولبنان. وكل ذلك فيه ضمانات روسية للبنان لا تلقى اعتراضا أميركيا. فالكون دخل في مرحلة التعددية القطبية حيث تبقى الولايات المتحدة الأميركية لاعبا أساسيا يشاركها في ذلك روسيا والصين مع ادوار اقليمية لكل من ايران وتركيا وباكستان واسرائيل. وأيضا مع مساس بجغرافية عدد من دول المنطقة وبوضع حدود لمشاريع التوسع الجغرافي لبعض الدول الاقليمية من خارج حسابات التوافق الأميركي-الروسي-الصيني. وبهذا المعنى لبنان مهدد بجنوبه وشماله من دولتين اقليميتين. وهناك على الأقل اعتراض روسي على ذلك.
والملاحظ أن مقاربة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأنه الشريك المفاوض منذ البداية بين واشنطن وطهران أنتجت مفاعيلها. وبنى حسابات منذ البداية على "حلفه" مع طهران وعلاقة صداقة وطيدة مع الرئيس دونالد ترامب وعلى مكانة خاصة في أوراسيا وعلى انكفاء دور الغرب الأوروبي الذي راهن عبر الحرب الأوكرانية على تفكيك روسيا الاتحادية.
عبد الهادي محفوظ



