
تعيد الإنتخابات الأميركية النصفية للكونغرس الإهتمام الأميركي الرئيسي إلى "الداخل الأميركي" وخصوصا إلى غلاء الأسعار وارتباك الأسواق المالية والبورصة وتراجع مستوى المعيشة والبطالة. وهذه الأمور كان الحزب الديمقراطي قد استثمرها في الإنتخابات ومنحته أرجحية واضحة في الكونغرس بمجلسيه الشيوخ والنواب. والمفارقة أن العودة إلى "الداخل الأميركي" تعزز فكرة "أميركا أولا" وهي الشعار الذي رفعه الرئيس دونالد ترامب في انتخاباته الرئاسية وتخلى عنه موضوعيا في شن الحرب على ايران. وهي الحرب التي منحت خصومه في الكونغرس ربحا وتفوقا. ذلك أن ايران كانت قضية مركزية في الإنتخابات الأميركية بحكم التداعيات السلبية للحرب الأميركية على "الداخل الأميركي" اقتصادا ونفطا وصناعة وزراعة وفي علاقة واشنطن التي اهتزت بحلفائها التقليديين سواء الإتحاد الأوروبي وحلف الناتو والدول الخليجية النفطية. وكذلك في التحوّل الذي أرسته هذه الحرب على الموقف الأميركي في الحرب الروسية-الأوكرانية بالتخلي عن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلافا لسياسات الغرب الأميركي والأوروبي التقليدية والتي كانت تهدف إلى تفكيك روسيا وإنهاء دورها في "أوراسيا".
الأمر الثابت حاليا أن العالم دخل في مرحلة التعددية القطبية في النظام الدولي الرأسمالي. فالأحادية القطبية الأميركية كانت ترتكز قبل الحرب إلى "حلف دولي واسع" من الإتحاد الأوروبي ودول الناتو والأنظمة الملكية وأنظمة المشايخ والإمارات في وجه "حلف واقعي" لا تجمعه أيديولوجيا واحدة متمثلا بروسيا والصين وكوريا الشمالية وايران. وهذا "الحلف" كان هامشه ضيقا قبل الحرب الأميركية على ايران وطابعه دفاعي. ولكنه بعد الحرب اتجه إلى "العسكرة" والاستفادة من ثغرات السياسة الأميركية ومن عزلة اسرائيل الدولية ومن التحوّلات العميقة على صعيد الرأي العام العالمي والمرتبطة بحقوق الانسان والديموقراطية والقوانين الدولية والاحتكام إلى هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن في النزاعات الدولية.
تغليب "مفهوم الصفقة" على العلاقات الدولية ارتد سلبا على الرئيس الأميركي دونالد ترامب وأيضا على مكانة الولايات المتحدة الأميركية حتى مع "الأرجحية" للحزب الديمقراطي المعارض. فالمرحلة الحالية محكومة بالتنافس الداخلي الأميركي وتلويح سيد البيت الأبيض باستخدام "حق الفيتو" إزاء قرارات الكونغرس. وهذا أمر معيق مستقبلا لسياسات الحزب الديمقراطي بالسعي إلى استعادة الاتحاد الأوروبي وإلى مساندة أوكرانيا وإلى تفعيل حلف الناتو. فالنزاع الداخلي الأميركي يعجّل بدوره من "انهيارات" سريعة في دول الاتحاد الأوروبي. فهذه الدول غلبت السيادة الأوروبية على السيادة الوطنية ما استتبع إنفجارات الداخل الوطني الاجتماعية -السياسية بحكم الكلفة الضخمة التي تتحمّلها هذه الدول بدعمها لأوكرانيا وبحكم تبنّي سياسة الردع النووي إزاء روسيا. وكل ذلك يستتبع ظهور تيار ديني متطرف أو تيار يساري متطرف وفوضى اجتماعية أوروبية متدحرجة وتخترق الحدود الجغرافية الوطنية. وكل ذلك يفسّر سياسات "التحصين" التي تقوم بها إسبانيا والدانمرك والمراجعة السياسية لبعض دول أوروبا الشرقية.
وإدراكا من روسيا والصين لطبيعة التحوّلات الدولية تسعى موسكو وبكين إلى استعجال بناء النظام الدولي الجديد بالاستفادة من الانشغال الأميركي "بالداخل" ومن الفوضى الأوروبية ومن حاجة كل من واشنطن وطهران إلى وقف الحرب. ومن تقديم الدول الخليجية لعنوان الاستقرار السياسي والنفطي ومعالجة حرب اليمن. وأما المقاربة الروسية-الصينية فإنها ترتكز إلى كون "الساحة الأوسطية" وتوسّع دائرة النزاعات بين دولها هي المدخل للنظام الدولي الجديد الذي يفترض بناء الثقة بين ايران وجيرانها الخليجيين وتطبيع العلاقات وإقامة شراكات اقتصادية ومالية وأمنية تشترك فيها موسكو وبكين في آن معا من دون التعرض للمصالح الأميركية وقد يكون بالشراكة معها.
وهذا التوجه الروسي-الصيني يريح "الداخل الفلسطيني" ويمنح الكتلة العربية النيابية في الكنيست الاسرائيلي وزنا فاعلا وإضافيا. كما أنه يلجم سياسات التوسع الاسرائيلية باتجاه لبنان. كما يعزز من دور المعارضة الاسرائيلية في "تلطيف" توجهاتها الخارجية ومحاولة كسر العزلة الدولية لاسرائيل والدفع باتجاه "الانكفاء النسبي" نحو "الداخل الاسرائيلي" أسوة بانكفاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
عبد الهادي محفوظ



