
ب✍️ محمد الجوهري.
ناشط وكاتب سياسي.
حين تُغلَق الأبواب واحدةً تلو الأخرى، لا يبقى للإنسان إلاّ أن يختار النافذة الأخيرة، حتى لو كانت تطلّ على الهاوية. هكذا هي الدول حين تُحرَم من كل مسالك البقاء إلاّ طريقًا واحدًا: تصير الضرورة فضيلة، وتغدو المغامرة حكمة.
في حسابات البقاء
كانت طهران طوال سنوات تُراوغ القدر، تقف على عتبة الباب النووي دون أن تعبره، كمن يمسك بمفتاح الجنة ويخشى أن يديره.
لم يكن التردّد عجزًا، بل كان حسابًا: ما ثمن الدخول؟ وما جدوى الخروج؟
لكنّ الحساب يتبدّل حين يُسلَب منك كل ما تملك قبل أن تختار. إذا فُرِضت عليك العزلة كاملةً، فماذا يتبقّى لتخسره؟
الفاسفة تقول: «الإنسان حرّ رغم أنفه». والدولة، حين تُجعَل وحيدةً في مواجهة المصير، تصير حرةً رغم كل عقوبات الأرض.
الحرية هنا ليست نعمة، بل هي لعنة الوجود: أن تُجبَر على أن تكون ما لم ترد أن تكون، لأن كل ما عداه سُحِب منك.
*ففي منطق الإكراه يصبحُ الإكراه أستاذ قاسٍ، لكنه صادق*.
يعلمك أن الغموض الإستراتيجي، ذلك الفنّ الذي أتقنته طهران سنوات، يصير ترفًا حين تقترب الصواريخ من عاصمتك. الغموض كان درعًا، لكن حين يتحوّل الدرع إلى قفص، تصير القنبلة المعلنة هي المفتاح الوحيد للخروج.
هنا تكمن المفارقة المأساوية: الضغط الأقصى، الذي صُمّم ليمنع القنبلة، يصير هو الدافع الأقوى لتصنيعها.
كأنّ من يريد أن يطفئ النار يصبّ عليها الزيت، ثم يتساءل لماذا اشتعلت.
العتبة النووية كانت منطقة رمادية مريحة: تكفي للتهديد، ولا تكفي للإستهداف الكامل. لكن الرمادية تصير مستحيلة حين يُرسَم خطّ أبيض بين البقاء والفناء.
في تلك اللحظة، لا خيار إلاّ العبور.
إيران لم تكن تبحث عن القنبلة كغاية، بل كوسيلة للبقاء. *واليوم، حين يُجعَل البقاء نفسه مشروطًا بالعبور، تصير الوسيلة غاية، وتغدو القنبلة هوية*.
*التاريخ هنا لا يغفر للحماقة، حتى لو ارتُكبت باسم الحكمة.*
قد تظنّ واشنطن أنها تضغط لتفكيك البرنامج النووي، لكنها في الحقيقة تضغط لتفكيك كل حسابات العقلانية التي كانت تمنع طهران من العبور.
السؤال الذي سيطرحه المؤرخون ذات يوم ليس «متى صنعت إيران القنبلة؟»، بل «من صنع القنبلة الإيرانية حقًا؟». والإجابة قد تكون أقسى من أي عقوبة: القنبلة الإيرانية قد تكون من صنع أولئك الذين حاولوا منعها بكل قوة.
وفي النهاية، الدول كالأفراد: *حين تُوضَع في الزاوية، لا يبقى لها إلاّ أن تختار كيف تموت*، أو كيف تعيش. وإيران، في ظلّ هذا الإكراه المزدوج — اقتصاديًا وعسكريًا — قد تختار أن تعيش كدولة نووية، حتى لو كان الثمن هو أن تصير وحيدةً في العالم.
القنبلة، في هذه الحالة، ليست سلاحًا فقط. هي بيان وجود: «*أنا هنا، رغم كل ما فعلتموه لمنع وجودي*».
وفي هذا البيان، قد تكمن نهاية نظام عدم الإنتشار، وبداية عصر جديد من التوازنات القائمة على الرعب المتبادل.
«الضرورة أمّ الاختراع»، *لكن الضرورة القصوى أمّ القنبلة.*



