
ب✍️محمد الجوهري
هناك لحظات في التاريخ تعرّي المسافة الشاسعة بين من يملك القدرة على الفناء ومن يستحق أن يُدعى إنساناً، لحظات تكشف أن القوة العارية، حين تُجرَّد من الحكمة، لا تصنع عظمة بل تكشف خواءً. وما صرّح به دونالد ترامب لموقع "أكسيوس"، وهو يتابع جنازة المرشد الإيراني السيد علي خامنئي، ليس سوى واحدة من أعمق تلك اللحظات كشفاً، وأخطرها دلالة، وأشدّها إنذاراً.
فالرجل الذي يقود أقوى ترسانة عسكرية عرفها التاريخ البشري، يقف أمام مشهد الحزن الجماعي الذي غمر عشرات الملايين من الإيرانيين، فلا يرى فيه دموعاً، بل تمثيلاً؛ ولا يستحضر أمامه إنساناً، بل معادلة؛ ولا يسمع نشيج الثكالى، بل يسمع فقط طقطقة الحساب البارد: "طلقة واحدة تكفي للقضاء عليهم جميعاً، لكننا لن نفعل ذلك لأنه لن يبقى أحد للتفاوض معه". هكذا، بجملة واحدة عابرة، يتحول الموت الجماعي المحتمل إلى خيار تفاوضي مؤجَّل لا غير، لا لإعتبار أخلاقي يزن الأرواح، بل لأن الجثث، ببساطة، لا تُوقّع الإتفاقيات.
هذا الكلام ليس زلة لسانٍ عابرة تُغتفر، بل هو تعبير صريح عن منطق سياسي كامل يرى في الإنسان أداة، وفي الحزن مسرحية، وفي القتل خياراً استراتيجياً بحتاً لا يحكمه إلا حساب المنفعة.
أن يرصد المرء شعباً يبكي قائده، فيستنتج من ذلك أن الدموع "مصطنعة"، ليس سوء فهم عابراً، بل عجز جوهري عن استيعاب أبسط حقائق الوجود الإنساني: أن الحزن على الموت لا يحتاج إلى تفسير سياسي، وأن الشعوب قد تبكي قادتها لأسباب تتجاوز كثيراً حسابات من يرصدها من بعيد بعين الغالب المتغطرس.
لكن الأخطر من سوء الفهم هذا هو ما تلاه: التلويح بإمكان "القضاء على الجميع" في لحظة الحزن الجماعي، وكأن الجنازة، بما تحمله من قداسة إنسانية عابرة للثقافات والأديان، ليست إلا فرصة عسكرية للتفكير بصوت عالٍ في إبادة الحاضرين.
هنا، وهنا بالتحديد، يكمن الإنزلاق الأخلاقي الخطير: حين يتحول الموت، أعظم لحظة في الوجود البشري وأكثرها استدعاءً للصمت والإحترام، إلى نكتة سياسية أو مادة للمساومة، فإن ما ينهار ليس احترام الخصم وحده، بل الأساس الأخلاقي الذي تقوم عليه العلاقات بين الأمم والأفراد جميعاً.
وليس غريباً أن يصدر هذا العجز عن الإحساس بقداسة الإنسان عن رجل ارتبط اسمه مراراً بملف جيفري أبستين، حيث تكشف الوثائق التي أُفرج عنها مؤخراً وروده في آلاف الصفحات المرتبطة بشبكة استغلال القُصَّر، من دون أن يستدعي ذلك منه أي تأنٍّ أو مراجعة ذات، بل نفياً قاطعاً واستمراراً في نفس الخفة التي يتعامل بها مع كل ما يمسّ كرامة الإنسان، سواء كان ضحية استغلال صامتة أو حشداً من الباكين علناً.
فمن اعتاد أن يتعامل مع أجساد الضعفاء بلا وزن أخلاقي، لا عجب أن تصبح جنازة أمة بأسرها، في نظره، مجرد مشهد يُقاس بمعيار الفائدة التفاوضية.
يقول الفيلسوف كانط إن الإنسان "غاية في ذاته لا وسيلة"، وهو مبدأ يفترض أن كرامة الإنسان لا تسقط بموته، بل تتعزز به وتتقدّس. فحين يُختزل حشدٌ من ملايين البشر الباكين إلى "أهداف محتملة" في خطاب رئاسي، يُداس هذا المبدأ تماماً تحت سنابك حساب الردع، ويُستبدل بمنطق يرى في الإنسان مجرد رقم في معادلة، ورقم فقط.
وهنا يستحضرنا التاريخ بدروس بالغة الوضوح، تكشف الفارق الجوهري بين قاتلٍ يحفظ لضحيته كرامتها بعد سقوطها، وبين من يستبيح حتى حرمة الموت سخريةً وشماتة. فحين أُعدم الملك الفرنسي لويس السادس عشر في المقصلة عام 1793، لم تحتفل أوروبا الملكية بموته باستهزاء، بل اعتبرت أوروبا بأسرها ذلك حدثاً مأساوياً يهدد أساس النظام الإنساني نفسه، حتى من كانوا يعارضونه سياسياً.
وحين اغتيل الرئيس الأميركي أبراهام لينكولن، لم يحتفِ به خصومُه في الجنوب المهزوم شماتةً، بل إن الجنرال روبرت لي، قائد جيوش الكونفدرالية التي حاربت لينكولن أربع سنوات دامية، وصف مقتله بأنه "خسارة كبرى للبلاد بأسرها"، لأنه أدرك أن كرامة الخصم لا تُقاس بموقفه السياسي، بل بإنسانيته المجردة.
ولنا في التاريخ الإسلامي والعربي مثال أعمق وأشد إيلاماً: فحين قُتل الحسين بن علي عليهما السلام في كربلاء، وهو خصم سياسي للسلطة، لم يجرؤ حتى ألد أعدائه على الإستهزاء بمقتله علناً أو السخرية من بكاء أهله، بل إن التاريخ يروي كيف ارتجّ الضمير الجماعي حتى داخل معسكر قاتليه، لأن قتل الإنسان، أي إنسان، يستدعي في الحس الأخلاقي السليم رهبة لا شماتة. وحتى صلاح الدين الأيوبي، الذي حارب الصليبيين عقوداً، عامل خصومه الموتى والمهزومين بفروسية واحترام حتى صار مثالاً يُستشهد به في تاريخ الحروب، وقد كتبه مؤرخو أوروبا أنفسهم بإعجاب لا يخفى.
هذا هو الفارق الجوهري: القائد العظيم يحترم عدوه في موته، لأنه يعرف أن الموت يُسقط الخصومة ويكشف الإنسان العاري أمام الإنسان العاري.
أما من يسخر من جنازة خصمه، ويهدد بإبادة من يبكيه، فإنه لا يُعلن انتصاره، بل يُعلن سقوطه الأخلاقي علانية، بصوته هو، وبلا شاهد عليه سواه.
وحين يتحول رئيس أقوى دولة في العالم إلى من يزن حياة ملايين البشر بمعيار "من سيبقى للتفاوض"، فإنه يعلن، بلا وعي منه، أنه صار أسير المنطق الذي يزعم محاربته؛ ولا يبقى الأمر شأناً محلياً أو تصريحاً عابراً يُنسى مع الأخبار، بل ينذر بفوضى أخلاقية عالمية الطابع. وحين يصبح تهديد الملايين بالإبادة مجرد "خيار تفاوضي" يُطرح في مقابلة صحفية بلا احتراز ولا تلعثم، وحين تصبح جنازة الموتى مسرحاً للتهديد والسخرية، فإن آخر الحواجز الأخلاقية التي تحول بين النظام والفوضى، بين الحرب المحدودة والدمار الشامل، تبدأ بالتصدع، حجراً فحجر.
تذكّرنا المنظِّرة السياسية (كما كانت تحب أن تُلَقّب)"حنة أرندت" بأن "تفاهة الشر" لا تولد من الوحوش، بل من أشخاص عاديين يعتادون التفكير بمنطق بيروقراطي بارد في مصائر الآخرين، دون أن يستشعروا فظاعة ما يقولون، ودون أن يرتجف لهم جفن.
وهذا بالضبط ما يتجلى في هذا التصريح: حساب بارد، شبه إداري، لعملية إبادة محتملة، معروض بلا أي وزن أخلاقي يوازيه، وكأنه بند في جدول أعمال.
نعم، حين يعتاد قادة العالم الحديث عن الموت الجماعي بهذه الخفة، وحين تصبح كرامة الموتى وحزن الأحياء عليهم مادة للسخرية والتهديد، فإن الإنسانية جمعاء تقترب من حافة هي الأخطر في تاريخها: عالم لا يحكمه القانون الأخلاقي، بل حسابات القوة العارية وحدها.
وفي هذا يكمن التحذير الأعمق: فحين تسقط قداسة الموت في وعي من يملكون مفاتيح الفناء الجماعي، فإن ما يتهدد ليس أمة واحدة أو شعباً معيّناً، بل مصير الجنس البشري بأكمله، الذي لطالما نجا من كوارثه الكبرى بفضل بقايا من الإحترام المتبادل بين الخصوم، حتى في أحلك لحظات الصراع وأشدها ظلمة.


